في لحظة أمل، لحظة حلم، جلست في مكان عالٍ في مدينتي المليئة بطوفان الحركة وأمواج السكون، مشكلة أروع سيمفونية، مع كأس شاي ذهبية من عند عمي محمد، الذي لطالما استقبلني بسؤاله المعتاد هل أضع لك ورق النعناع؟ كانت تلك عادتي المسائية، التي أصبحت رابطًا يذكرني بأهلي ومدينتي، ذاك المساء، كعادتي بحالي ومكاني بدأت رحلتي.

لا أعلم لا كم كانت الساعة، ولا كم استغرقت من الوقت في ضبط أغراضي، سوى أن غرفتي كانت مظلمة، باردة، وكئيبة، كأنها تقول لي إلى أين المسير؟! لا من الممكن أن الوقت كان ليلًا أو أن النور الذي تأملت سطوعه لم يُرد بعد، لم أحس بثقل حقيبتي اليدوية ولا بمحفظتي التي كانت عادة أحملها فوق كتفي، كان مزاجي يحزنني أنّي تركت شيئًا ورائي، لم أكن أتذكره جيدًا، صورته ضبابية في مخيلتي، ما شعرت به أنّه كان ثمينًا جدًا، لدرجة أنني استدرت إلى الوراء عدة مرات ثم استمريت بالمسير، وقلبي وعقلي يذكرانني «أنا الذي اخترت وأختار، وسأختار»، كلمات طالما رددتها ورددتها بلحني وبتوازي مع عدد خطواتي، صراخ داخلي وكلمات ممزقة المعنى، أأنا الذي ترك وراءه الحياة؟ أم أنا الذي أراد لنفسه شيئًا جميلًا لكنه غير موجود؟ لم أجد إجابة لحظية لتلك التساؤلات.

وأنا غارق في تلك الطريق تائهًا هاربًا، افتقدتُ شجاري مع أخي على من يجلس على مائدة الطعام أولًا، افتقدتُ تهديد أمي لي بحرماني من حصتي من العصير الخاصة بي التي كنت أحّب، إن لم أنه الصحن الذي في يدي، افتقدت قلق أبي، وخوفه على أن يحصل لي شيء إن لم أُجب على اتصاله بمجرد رنين الهاتف، افتقدت وافتقدت واستمريت في رحلتي.

عيشي لهذا القلق بدأ يؤثر على تنفسي، لم أعد أشعر لا بالأيام، لا بالأشهر، ولا بالسنوات، التفكير في المواصلات، مواعيد الدراسة، الشهادات، كل شيء في حياتي هذه بات غير منطقي، وغير مفهوم، حتى عندما أزعم أنني ألهو، أبسط، أسقي ذاتي بالسعادة، أتوتر، أضطرب، أخاف. سئمت من الخوف اللا منطقي، الكلام المستهلك، ومن الحياة المحكومة بموازين سطرها أشخاص لا أعرفهم، لا بد أن تسير وفق ما يسير عليه أغلب الناس وإلاّ فستصبح الغريب الأحمق غير المرغوب فيه في مواصلة رحلة البحث، رحلة بحث عن ماذا؟ رحلة بحث عن الحقيقة.

أردت الرحيل، أردت الاختفاء دون ترك أي أثر، أردت التبخر من عالمي لعلي أجد شيئًا مختلفًا في مكان آخر حتى وإن كانت المرحلة الأصعب في حياتي، فأنا أحب الغوص في الصعب والوجود بين الصراعين، رغبت في سماع ذلك الصوت الخافت، الإيجابي الذي يبعث في النفس الحماس ويحثها على الوصول والتشبث بالأمل، رحلة بحث عن الأمل يعني؟ رحلة بحث عن الحقيقة.

لا بد من إيجادي للشيء الذي أشعر أنني أفتقده، بحثت كثيرًا عن الحقيقة الضائعة بين أسوار الحياة، للعيش بسعادة، ولأنني أعلم أن أول ارتقاء درج السعادة مشقة، بدأت في شق رحلتي في بحر المشقات وأتخطاها واحدة تلو الأخرى، لأثبت للحياة نفسها أنني لا أعاديها بل أتعلم منها، أردت العثور على ذلك الأمل الذي لا يخيب أبدًا، ليس الأمل الذي يجعلك تسعى إلى ما تريد، فكلها أمنيات ساذجة وأفكار جاهزة، استمريت في رحلتي، واستمريت حتى فزعت من فراشي على صوت صديقي ينادي «انهض لقد تأخرنا عن حفل الزفاف».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد