كثير من الناس يسعون لتحقيق أحلامهم مع اختلاف حلم كل شخص، والعجيب في الأمر أن نسبة كبيرة من هؤلاء أصحاب الحلم لا يحققون ما يحلمون به بحجة أنه صعُب علينا تحقيقه! بعد ذلك استسلموا لواقع حياتهم. إن السير في طريق الحلم أو الهدف الذي نريد أن نحققه في حياتنا هو بلا شك سيجعلنا سعداء مع ذواتنا، لأن الإنسان يرغب دومًا ويحلم بما يجعله سعيدًا في هذه الحياة. ولكن من المهم أن نفهم المعادلة جيدًا لكي نرسم أحلامنا بثقة ونخطو بإصرار وبثبات كاملين.

إن الهدف أو الحلم الذي نضعه لأنفسنا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسلوكياتنا اليومية التي نمارسها لتحقيق تفاصيل ذلك الهدف. فالحلم يبدأ بشعور جيد يثير مشاعر الإنسان النفسية ويجعله يشعر برغبة في تحقيقه، ثم يرتقي هذا الشعور لتتحول إلى فكرة ثم تنضج هذه الفكرة لتصبح أفعالا بعد ذلك نسمي تلك الأفعال بالسلوك الذي يتخذه صاحب الحلم ليحقق مراده. ومن هنا نعرّف السلوك بأنه العادات أو الأفعال أو الأنشطة الموصلة للهدف. وهذه العادات التي تتشكل على صورة سلوك هي التي تحدد نتائجنا في المستقبل، لذلك من المهم جدًا عندما نضع أحلامنا أن نقوم بوضع السلوكيات الواجب اتخاذها لتحقيق ذلك الحلم.

فمثلاُ لو أراد شخص أن يحصل على شهادة جامعية في الهندسة، هذا يتطلب سلوكيات تتمثل بصور من الجد والاجتهاد وتنظيم الوقت والمزيد من القراءة ليحقق مبتغاه. لذلك عندما نفكر في الحلم نفسه لن نحققه أبدًا، لابد أن يتبع ذلك سلوكيات فعَّالة وإيجابية تقربنا من الحلم الذي نريده. ومن هنا نجد أن الناجحين وصلوا لما وصلوا إليه بعد اتخاذهم لعادات إيجابية كانت تناسب الطموح والحلم الذي أرادوا الوصول إليه. فالحلم والسلوك وجهان لعملة واحدة فلا قيمة للحلم إلا بسلوك يؤدي إليه. فالسلوك قيمة عليا اتخذها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تبليغ رسالتهم والوصول لأهدافهم.

من الناحية الأخرى لكي يسهُل علينا عمل هذه السلوكيات أو بالأحرى اتخاذ ممارسات تقربنا لأهدافنا، يجب علينا أن نفعِّل الإرادة وهي تكمن داخل نفس الإنسان، وبدون تفعيل الإرادة سوف نقف عاجزين عن عمل سلوكيات تدفعنا لتحقيق ما نصبو إليه. لذلك نجد الإرادة تتجلى في نصوص كتاب الله عز وجل، ففي سورة آل عمران الآية رقم 145 يقول الله تبارك وتعالى (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ). فما أروع تلك الآيات التي تتجلى فيها عدالة السماء فيمن يفعِّل إرادته سواء من يريد ثواب الدنيا أو ثواب الآخرة، لذلك الله سبحانه وتعالى يختار أقدارنا بناءً على إرادتنا الحرة. وما نريد أن نذهب إليه في هذا الصدد بأن ”الإرادة تسبق السلوك”، فسلوكياتنا اليومية هي بمحض إرادتنا الحرة وهناك آية تصور هذا القول في سورة  لإسراء الآية رقم 19 يقول الله تبارك وتعالى (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا). فمن خلال الآية وفي ضوء ما نقول بأن الإرادة تسبق السلوك، والإرادة اسم مشتق من جذره اللغوي أَرَادَ، ففي الآية هناك إرادة للآخرة ولكن تلك الإرادة كي تتحول موضع الفعل يجب أن تُغلّف بطابع السعي لترجمة تلك الإرادة عن طريق سلوكيات فعلية.

بعد التعمق والنظر في القراءة والبحث عما توصلوا إليه علماء النفس والسلوك في قضايا السلوك والإرادة وكيفية تفعيل الإرادة لتتحول إلى موضع السلوك وبالتالي نحوّل أحلامنا إلى حقيقة يجب الوصول إليها، لقد لخصت أهم أربع طرق في نظري لتحويل الإرادة إلى سلوك عملي يُقربنا لتحقيق أهدافنا في الحياة وهي كما يلي:

أولًا: وجود أهداف يريد أن يحققها الإنسان

من المهم جدًا أن يعيش الإنسان بأهداف نابعة من داخل نفسهُ ليشعر بقيمة وجودهِ في الحياة. لذلك الإرادة تتحول إلى سلوك عندما نضع أهداف محددة ومغلَّفة بزمن كي نقّيم مدى تحقيقنا لذلك الهدف. ولا أنسى مقولة الأديب الألماني الكبير يوهان جوته حينما قال ”ما أن يقّرر الإنسان في أن يكرّس نفسه لغاية أو لهدف، حتى يبدأ الفيضْ الإلهي يُسعده“. فمن الضروري أن يضع الإنسان أهداف ليحرك الإرادة داخل نفسه والتي بدورها ستتحول إلى سلوك.

ثانيًا: وجود خطط واستراتيجيات لتحقيق الهدف

كلما تحولت الأهداف لخطط مكتوبة وكما أسلفنا محددة بوقت كلما أصبح تحقيق الهدف في المتناول لدى الإنسان. لذلك عندما تفكر في أمر معين تبدأ المشاعر بتحريك الإرادة وهذه الإرادة لن تتحول إلى سلوك إلى بخطط تُتَرجم الفكرة إلى واقع عملي.

ثالثًا: وجود دوافع تحرك الإنسان كلما ضل عن الطريق

وجود الدوافع عنصر مهم جدًا للذي يخوض الرحلة لتحقيق أهدافه في الحياة. والدوافع نحصل عليها عن طريق معرفتنا بما سوف نجنيه من تحقيق ذلك الهدف، فيجب على الإنسان أن يسأل نفسه ماهي الأمور الإيجابية التي سوف أجنيها من تحقيق ذلك الهدف. وهذه الأمور الإيجابية هي الدوافع التي لابد أن يقرأها دومًا لكي يقوي إرادته في تحقيق ما يصبو إليه.

رابعًا: تحقيق الذات

عندما يعرف الإنسان مكامن قوته، وأين يبدع بشكل كبير في مجالات الحياة المختلفة، ويغوص في أعماق نفسه ليكتشف قدراته الحقيقية عندها يستطيع أن يؤثر ويصبح رقمًا صعبًا في دنيا الناس. ولهذا وعلى مر التاريخ نجد هذا جليًا بأن الذين يعرفون ذواتهم جيدًا ويعتدوا بما أنعم الله عليهم من قدرات، تصبح إرادتهم في التغيير في الحياة أقوى من غيرهم ولهذا خلّدهم التاريخ.

ختامًا

من المهم جدًا أن نراقب سلوكياتنا وعاداتنا لأنها تلعب دورا محوريا ليس فقط في تحقيق ما نحلم به بل أيضًا في نجاح تعاملاتنا مع البشر في الحياة. فمن أرَادَ أن يحقق حلمهُ ويصل للسعادة عليه أن يضع سلوكيات إيجابية تتناسب مع الحلم لكي تتحول لنشاطات تُمَارس يوميًا وأسبوعيًا وشهريًا حتى يحقق ما يريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد