من بين ملايين العلامات التجارية والشركات والمواقع والمؤسسات والمبادرات وما إلى ذلك مّمن يمكنك تسميته اختصارًا باسم “مشروع” هناك شخص واحد وفرد بعينه هو من أسس وقام على عاتقه كل مشروع من هذه المشاريع، أو ربما مجموعة من الأفراد الذين دفعتهم الظروف أو شغلهم التفكير في توفير خدمة معينة أو إنشاء مشروع تجاري لتحقيق ربح مادي أو لتوفير مستوى معيشي أفضل لهم.

ولعلك تعرف من خلال متابعاتك وقراءتك أنهم أُناس عاديون مثلنا، مع اختلاف أسلوب التفكير وكيفية استغلال الظروف وطريقة التجاوب مع الصعوبات والعقبات التي واجهتهم منذ بداية تأسيس المشروع وحتى مرحلة تحقيق الأرباح ومنافسة عمالقة السوق.

وأن الفارق الوحيد بينهم وبين من لم يكمل الطريق نحو حلمه هو الإصرار والمثابرة، كما يقول ستيف جوبز “إن ما يفصل بين رواد الأعمال الناجحين والفاشلين هو المثابرة”.

ومن بين تلك الأمثلة التي تشحذ الهمم بداخلنا وتضيء حياتنا بالأمل وتملأ الأجواء بأماني النجاح قصة كولونيل ساندرز ووصفته السرية التي مكنته من تأسيس إمبراطورية “كنتاكي”، بعد أن جاوز الخامسة والستين .

 
ومايكل روبن، ذلك الملياردير الأمريكي الشاب صاحب مجموعة شركات “جلوبال سبورتس” الذي بدأ في التجارة منذ نعومة أظافره مثله مثل فريد ديلوكا الذي كان يقود سيارته الفولكس فاجن، في أواخر الستينات. مائة ميل يوميًا لإحضار أفضل الخضروات لمطعمه الذي نعرفه اليوم باسم “صب واي” (Subway) وكذلك ربيب جامعة هارفارد أشهر رائد أعمال شاب في الوقت الحاضر وصاحب أعظم إمبراطوريات الإنترنت على الإطلاق مارك زوكربرج.

 
يمكنني إكمال سرد الأمثلة عن رجال كهؤلاء قهروا الظروف وحققوا المعجزات، ولكن المجال لا يتسع لذكر المزيد، على كل حال يمكنك متابعة قصصهم الملهمة في كتابات براين تريسي وإبراهيم الفقي ومدونات رؤوف شبايك. لكن هل معنى ذلك أنه لا يمكنك تحقيق حلمك في الحياة، إلا من خلال ريادة الأعمال، والبدء في العمل الخاص؟

ماذا عن ملايين البشر الذين يعملون في المؤسسات أو الشركات أو المنظمات المختلفة كموظفين عاديين، هل كل هؤلاء الأشخاص تعساء؟ وهل كل العلماء والأكاديميين الذين يتبعون السُلم الوظيفي بجانب أبحاثهم العلمية لن يحققوا نجاحًا ماديًا أو معنويًا أو لن يعش أيًا منهم حياتهم في رغد وسعة؟

دعني أطرح عليك سؤالاً آخر، ماذا عن هؤلاء الذين لن يذكرهم رواد التنمية البشرية، ولن تذكرهم كتب التاريخ، ولا مجلات العلوم، ولن تشاهدهم على شاشات التلفاز. ماذا عن الأشخاص البسطاء الذين يعملون في عمل عادي أيًا كان، مثل الفلاحين والعمال وغيرهم؟ أيعيشون حياتهم دون تفكير في زيادة الدخل ولا يراودهم حلم ريادة الأعمال والبدء في الربح والعمل الخاص، أم أنهم مخلوقات لم تُزرع فيهم جينات الطموح والنجاح؟

 

 
تدور هذه الأسئلة في ذهني كلما سمعت أو قرأت عن قصة نجاح، وربما تشاركني أنت أيضًا في الحيرة نفسها! والإجابة التي توصلت إليها: أننا لسنا متشابهين، وكل فرد فينا مُيسر لما خُلق له، فرائد الأعمال الذي جاب صدى نجاحه الدنيا كانت لديه الإمكانات النفسية والاستعدادات الشخصية؛ ليصبح كذلك، فانظر إلى بدايتهم ستجد أن لكل منهم قصة مع التجارة منذ الصغر وهذا جعله يعتاد المخاطرة والاستثمار. والأمر نفسه ينطبق على العلماء الأفذاذ الذين ظهرت عليهم إرهاصات العبقرية خلال نشأتهم أو ربما حباهم الله بنعمة وجود أبوين يقدرون العلم ويحثونهم حثًا على النبوغ في أحد فروعه.

 

وتَوفر مثل هذه الإمكانيات لدى أشخاص بعينهم لا يعني أن نسلب الآخرين التقدير الذي يستحقونه، فمنهم من نجح اعتمادًا على فطرته ومجهوده الشخصي البحت دون توفر أي إمكانيات أو قدرات شخصية مميزة، فسائق التاكسي الذي يحترم قواعد المرور ويُقدر عملاءه هو شخص ناجح. والعامل الذي يوفر قوت بيته ويحنو على أهله يُعد شخصًا ناجحًا ومثالا جيدا في المجتمع، بل الموظف الذي يحب عمله ويقضي معظم ساعات يومه في مكتبه ويعود إلى بيته متأخرًا في المساء، فهو شخص ناجح وسيتمكن في المستقبل القريب من جني ثمار تعبه ومجهوداته في سبيل بيته وأولاده وربما يتقلد مناصب عليا إذا استمر في تطوير نفسه وسعى بجهد نحو التمييز.

 

وهذه ليست دعوة للتمسك بالوظيفة أو بالرضا بالواقع أيًا كان، أكثر منها تصحيحًا لمفهوم “ريادة الأعمال” الذي أصابه العطب، فإذا نظرت حولك الآن ستجد من بين أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من “مؤسس” (Founder) أو “شريك في تأسيس” (Co-Founder) وغيرها من الألقاب التي تؤدي في النهاية إلى مصطلح “رائد أعمال”.

 

والحقيقة أننا لدينا الكثير من رياديي الأعمال، ولكن ليس لدينا “أعمال” أو مشروعات على أرض الواقع، وأكثر السيناريوهات تكرارًا مع هؤلاء الأشخاص هو أن يأتي أحدهم بفكرة ما ويدشن لها صفحة لها على مواقع التواصل، ثم يقوم بإنشاء موقعًا إلكترونيًا لعرض الفكرة، ثم يسوّق للفكرة إلكترونيًا أو حتى على الأرض، ماذا بعد ذلك؟ إما أن يُستثمر في فكرته وتنجح، وإما أن يفتقد للإمكانيات التي تحدثنا عنها من قبل فيلحقه الفشل!

 

 

 
لذا فكثير من موظفي اليوم الذين لا يستهويهم بريق ريادة الأعمال ولا تشدهم زهوة الأموال قد لا يصلحون من الناحية النظرية والعملية لبدء مشروع خاص، وعندما يحضّهم أصحاب المشاريع على ترك الوظيفة، من دافع المساعدة والتشجيع، فإنهم بذلك يرتكبون أكبر جرم في حق هؤلاء؛ لأنهم ليسوا على علم بما قد يحدث بعد ترك هؤلاء لوظائفهم فقد يتحولون إلى عاطلين وقد تبعدهم السنون عن مناصبهم التي اعتادوا أن يرتقوها وربما يصبحون بلا عمل ولا مشروع.
ولا تلم هؤلاء ولا هؤلاء، فأصحاب المشاريع يجدون راحتهم في وضع خطط الأعمال ومتابعة التنفيذ وإنجاز المشروعات وتحقيق الأهداف المادية والربح الجزيل، أما الآخرون والذين من الممكن أن ندعوهم مجازًا بالموظفين، فراحتهم في ابتسامة أو كلمة شكر من المدراء أو في بسمة يزرعونها كل صباح على وجوه أطفالهم أو في نظرة حانية من ذويهم في المساء، ولا يهمه صراع الدنيا على السلطة والمال، ولا يأبهون لمن أصبح ولا لمن صار، فكل ما يعنيهم هو العيش بسعادة وسلام.

خلاصة القول هي السير في الدنيا وفقًا لهدف أو لخطة تنتهي بغاية ومبرر للحياة والعيش، حتى لا يصبح الفرد فينا كقارب تتلقفه الأمواج فلا يعرف أين يرسو، فإذا سرت دون هدف سواء كنت رائد أعمال أو صاحب مشاريع أو موظفًا أو عالمًا فسينتهي بك المطاف بين صخور اليأس والفشل، أما إذا حققت غاية وجودك وحاولت بكل قوتك أن تكون مصدر فخرًا لكل من حولك، فهنيئًا لك الوصول إلى شاطئ الأمل والنجاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد