أعلم أن هذا ليس بالوقت المناسب لنشر هذا الكلام، وبأن الوضع بات أسوأ، ولكن… لنتذكر!

حلم الشباب بوطن أفضل وخرجوا للتعبيرعن حلمهم البرىء في الشوارع والميادين، خرجوا بهتافاتهم يعبرون عن آمال البسطاء، كانوا يحلمون والحلم ليس جريمة في عرف الإنسان – هم عاشوا سنوات عمرهم الضائعة نائمين، ولكن لا يستطيعون أن يحلموا، بل كانوا في سكرتهم أشبه بأصحاب الكهف في نومهم العميق الطويل الذي لا يتخلله أي ومضة تنعكس على حياتهم المزرية!

حلم؟ أي حلم! أي حلم هذا في بلد دُفن شبابه حيًا، دفنت طموحه البسيطة من فرصة عمل وحياة كريمة وألقي به في السجون؟ هل فعلًا هناك فرصة لتحقيق أحلامنا على أرض الواقع؟ أم أن هناك من وُكلوا لتكبيل أحلامنا؟

بنظرة سريعة على السينما المصرية نصطدم بنموذج حسن بهلول، الذي خلقه الثنائي وحيد حامد وشريف عرفة في فيلمهما اللعب مع الكبار – إنتاج عام 1991 – حامد وعرفة استطاعا أن يجسدا صراع الدولة ضد الحلم وضد من يحلمون، تواجه الدولة الحالمين بالرصاص حتى يكفوا عن أحلامهم، نحن في بلد تكره الأحلام!

في مشهد مميز من الفيلم يقول وحيد حامد على لسان بطله:

اسأل رجال القانون كيف نجعل من الحلم سند قانوني يُقبل أمام المحاكم ولا يخالف نص الدستور. هكذا كان يُعول البطل على الدولة التي تستكثر على أبنائها حتى الأحلام، ولكن نحن لا نملك في جعبتنا إلا أحلام أحلام أحلام.

ولكن شاءت الظروف أن تتغير المعادلة؛ فأصبح الحلم في نظر الشباب ذا قيمة، بل أصبح ركيزة يعول عليها للتغيير، خاصة بعد تجربة الياسمين – الثورة التونسية – أصبح الحلم بإسقاط نظام فاسد حتى النخاع وإقامة نظام يُقدر قيمة الحلم ويؤمن به، فمن رحم المعاناة تولد الأحلام!

عندما ثار الشباب في كل ميادين مصر، وخاصة التحرير منها، كان هتافهم الذي يتردد سرًا، وسرعان من انجلى للفضاء الواسع: «احلم معايا»، تلك الأغنية بكلماتها ولحنها لا يزالان يترددان على أسماعنا بين الحين والحين كتذكارأننا كنا نحلم، خرج الهتاف من قلوبهم لينطبع على جدران الميادين والشوارع، «احلم معايا» غير آبه بتعاليم الدولة وآياتها، بل كفر بها وكسر قيودها وخرج، خرج ولم يعد.

«اهزم سكوتنا، واتحدى موتنا: يصبح السجان أسيرك»

حطمت قيود الذل وسقط الطاغية رغم أنفه، سقط الطاغية، بالرغم من جهازه الأمني الذي أحكم قبضته على البلاد كل هذه السنين، سقط النظام المكبل لأحلامنا وكلنا يقين بأن القادم أجمل وبأن حلمنا الجميل النقي الذي زرعناه سويًا وسقيناه بدماء أخواننا في التحرير وميادين الثورة، سنجني ثماره اليوم أو ربما الغد!

ولكن، أي ثورات تمر بمنعطفات كثيرة ولانعدام الخبرة لدينا في شئون التمرد والثورة فكنا نعيش حالة من التخبط واللخبطة استطاعوا فيها أن يفرقوا شمل شباب الثورة بدءا من استفتاء مارس (أذار) 2011 الذي لم يكن له داع، إلا خلق تيارين متضادين: تيار الأخضر أو الجنة وتيار الأسود أو النار، آه! مازالت الذكريات والكلمات تطوف بعقلي رافضة أن تستقر فهذا يقول: نعم؛ من أجل الجنة، وهذا يقول: لا؛ من أجل الحرية، والشعب جاهل ليس بالثورة فقط!

استمرت حالة التخبط واستغلها الإعلام أشنع استغلال، فهؤلاء كانوا البارحة في إعلام الدولة يستنكرون وجود متظاهرين في ميدان التحرير، اليوم هم يدعمون الثورة ويغازلون شبابها، ومعها قلبًا وقالبًا، ولما استقرت الكفة وجدتهم يسبون ويلعنون في الثورة، وعلى ما جنته علينا من خراب وضياع، والشعب جاهل ليس بالثورة فقط!

في كل منعطف من منعطفات الثورة كانت الدماء تسيل والأعراض تنتهك، مينا دانيال الذي نجا من الرصاص في جمعة الغضب ها هو يستقبل صدره الرصاص في أحداث ماسبيرو، وهناك ترى هذا الشيخ الأزهري ذا الجلباب والذقن الرقيقة الذي تظهر على وجهه سيماء الطيبة ملطخًا وجهه بالدماء، إنه الشيخ عماد عفت أو الشيخ الثائر، وترى أيضًا على الناحية الأخرى ست البنات أمام مجلس الوزراء بجسدها العاري إلخ من كل هذه الانتهاكات التي وصلت إلى حد كشوف عذرية من قِبل العسكر!

ثم جاءت انتخابات الرئاسة، وتيقنًا بأن الحلم المزروع آن أوان قطف ثماره، وتمنينا أن تكون الثمار ناضحة تليق بما قُدم من أحلام ودماء، راحت أصوات الشباب للتيار الثوري وراحت أصوات باقي الشعب لفلول النظام السابق، فهذا الشعب لم يجد أن الثورة حققت له ما يريد من العيش والحـ… آسف لن أكمل، فهذه الشعوب أقصى ما تطلبه هو العيش والأمن؛ لا تعرف معنى للحرية.

يُتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد