يستقبل الشعب الفلسطيني يوم الـ 15 من مايو (أيار) في كل عام الذكرى الـ 68 لنكبة فلسطين، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية عمومًا، والشعب الفلسطيني خصوصًا, الذي أُخرج من أرضه ودياره قسرًا، خروجًا موازيًا لحروج الروح من الجسد، والانتقال من حالة الاستقرار والثبات، إلى حالة  عدم الاستقرار والشتات، وتنهال عليه النكبات، ويصبج لاجئًا في البلدان، دائم التنقل والترحال وسط جراح عميقة، تحمل  بين طياتها ثقل التاريخ، وألوان العذاب.

 

لم تكن نكبة عام 1948 وحدها المعاناة فحسب، بل كانت هي البداية لمرحلة جديدة، وانتقال من خيمة إلى خيمة أخرى، ومن مخيم إلى آخر، ترافقه  صور من الأحداث المأساوية، التي لا تسرُ الناظر إليها؛ حين توضع أمامه، بعد 68 عامًا من النكبة.

 

كانت فلسطين جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، حتى عام 1948، وعندما سقطت هذه الإمبراطورية في نهاية الحرب العالمية الأولى، من عام 1920، وحتى عام 1948، تمكنت بريطانيا من الحصول على قرار «عصبة الأمم»، وبعد ذلك من «الأمم المتحدة»؛ لتحكم فلسطين، وتضعها تحت «الانتداب البريطاني»، وتبدأ مرحلة جديدة؛ من خلال وضع الأسس لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ووصول أول «مفوض سامي بريطاني» لفلسطين، «السير هربرت صموئيل»، وتكون بذلك قد تمكنت من الوفاء بالوعد، الذي التزم  به «بلفور»، وزير خارجيتها، عام 1917.

 

استفادت الحركة الصهيونية من واقع الانتداب البريطاني، وشجعت الهجرة اليهودية من كل أصقاع العالم، وجيء بهم أفواجاً إلى فلسطين، وشرد الشعب الفلسطيني، وحُرم من العودة إلى أرضه ودياره، التي طُرد منها، بعد ارتكاب العصابات الصهيونية المجازر البشعة في القرى والمدن الفلسطينية، والاستيلاء على الأرض والممتلكات، والعمل على محو آثار السكان الفلسطينيين، وطمس التاريخ والجغرافيا، في عملية تهجير ممنهجة، واتباع سياسة «التطهير العرقي»؛ لأنهم كانوا يدركون أن فلسطين لم تكن ـ أبدًا ـ «أرضًا بلا شعب»، ويعلمون أن الفلسطينيين لم يخرجوا طوعًا وبإرادتهم، بل أرغموا على الخروج، أضف إلى ذلك الذين هُجِّروا، بعد هزيمة العرب في حرب «الأيام الستة»، عام 1967، والاحتلال واسع لعدد من الأراضي العربية.

 

تمكنت الحركة الصهيونية، بدعم من الغرب الأوروبي بداية، ومن ثم من الغرب الأمريكي لاحقًا، من إقامة دولة «الكيان الصهيوني»، صاحبة قوة عسكرية، وقدرة «تكنولوجية»، ونفوذ سياسي، وبدأت بزرع المستوطنات في الأرض المحتلة، وأقامت النقاط العسكرية، التي من خلالها سيطرت على كل الحدود والطرقات والشواطئ والأجواء ومصادرالمياه والطاقة، والمضي بلا هوادة في عملية تهويد «القدس»، وإعلانها «عاصمة أبدية للدولة العبرية»، واعتبار هذا الاعتراف هو نقطة الانطلاق» في أية مفاوضات جرت أو تجري.

 

هذا هوالمضمون الحقيقي للاستراتيجيات الصهيونية تجاه النكبة، وقضية اللاجئين، فمنذ البدايات الأولى لنشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين، في أعقاب نكبة عام 1948، تبنت القيادات الصهيونية السياسية والأمنية تحركات ممنهجة، وخطابًا إعلاميًا، لم يتغير، حتى يومنا هذا، وهو رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين رفضًا مطلقًا، والعمل على تصفية هذه القضية؛ لأنهم يعلمون أن حق العودة هو تهديد كيانهم، وهو محور الصراع وأساسه، وأن اللاجئين هم جوهر النكبة الفلسطينية ومضمونها ومادتها، وقضيتهم هي قضية وطن وشعب وتاريخ وحضارة وتراث وحاضر ومستقبل.

 

لذلك تُشكل  ذكرى النكبة في العقل والوعي الفلسطيني جزءًا هامًا، وعلامة مميزة في شخصيته، وفي وجدانه، بالرغم من محاولات الاحتلال الصهيوني محو الذاكرة الفلسطينية الجماعية للنكبة، والمحاولات المستمرة والحثيثة من أجل تحقيق هذا .

لذا ظلت هوية اللاجئ الفلسطيني مرتبطة بقريته الأصلية التي هُجرمنها، وسيظل متشبثًا بحقه في العودة، ولن يفقد الأمل، طالما يستنشق الهواء، وكذلك أبناؤه وأحفاده من بعده.

إن اللاجئ الفلسطيني المنكوب هو السياسي والثقافي والاقتصادي، وإنه هو الأساس في الماضي واليوم والغد، فلا يمكن الفصل بينه وبين  معاناة النكبات المتتالية عليه، ولن يكون هناك حل، إلا بمعالجة النكبة ذاتها، وحل مشكلتها، وعودة الحق إلى أصحابه .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد