فاجأ أهل منطقته بعودته من أمريكا بعد أسبوعين من سفره إليها، لاجئًا مع زوجته وأولاده، ولعلها من الفرص النوادر التي يحسده عليها الكثيرون ممن أصبحوا يشعرون بالضيق من الأوضاع التي يظنون أنها لن تنجلي، ليس بسبب نظرة سوداوية، وإنما لواقع حال يجدونه يتجه نحو الأسوأ، المهم أن صاحبنا عاد برؤية جديدة، يريد أن يقنعنا أن عذاب العراق أهون من الغربة في أمريكا، وأخذ يعبر عن تذمره من الواقع الأمريكي بطريقة يحاول أن يبرر لكل الحانقين من عودته، مستعيناً بأفلام “الأكشن” الأمريكية: “تدرون هناك عصابات”، ضحك من حوله، يعني يخطفون ويقتلون؟

فأجاب: طبعًا، طبعًا. فردوا عليه: “لعد الميليشيات عدنه شسوي تلعب طم خريزه”، احمّر وجهه وتلعثم لسانه، بعد أن أصبح عذره أضحوكة، فاستعاد بعض قدراته، ليسكت التعليقات التي بدا عليها طابع الاستهزاء، فصاح “يمعودين رادوا يذلونه”، فقال له أحدهم: “وإنت هنا مو مذلول”، أحس أن أعذاره لا تسعفه على إقناع مجموعة متطلعين للهجرة، فقرر الانسحاب وركب سيارته “التاكسي” وقبل أن ينطلق ناديته: “هنا أحسن أم أمريكا؟”، فأجاب بثقة “طبعًا هنا”، وذهب فيما لاحقته تعليقات “ينطي جوز اللي ما عند سنون”، و”لله في خلقه شؤون”.

التفت إليّ أحد المهتمين بدراسة السلوك، فقال تدري لماذا رجع فلان؟

قلت: لعله اشتاق لأهله.
فرد عليّ: لكن أهله معه.
قلت: أقصد أباه وأمه وإخوته، وربما حتى أصدقاءه.
قال: لا، لأنه لم يحصل على اللجوء إلا بعد سنوات من السعي المتواصل والاستعداد النفسي، لكن يبدو أنه شعر بضآلته داخل المجتمع الجديد.

الطريف في هذه الحكاية الواقعية، حيث أنها ليست من خيالات كاتب أو فبركته كما تظن، بل كان بإمكاننا أن نقدم الشخوص بأسمائهم وعناوينهم لولا احترامنا لخصوصياتهم، أن ابنة العائد التحقت بمدرستها، فسألتها معلمتها: أين كنت كل هذه الأيام؟ فأجابتها: “ست كنت في أمريكا”، فاستشاطت المعلمة منها غضبًا، وقالت لها: تغيبين وتكذبين، وأخذتها إلى المديرة لمعاقبتها على كذبها، وطلبت المديرة منها أن تجلب ولي أمرها، والبقية أتركها لكم.

أنموذج آخر، واقعي أيضًا، لكنه هذه المرة من المملكة المتحدة، كان أصبر من صاحبنا الأول، حيث استطاع أن يصمد 6 أشهر بالتمام والكمال في مدينة مانجستر، لكن مع الفارق أنه كان وحده، من دون أسرته، ولو أكمل السنة لكان بالإمكان ضمهم إليه ضمن قانون لم الشمل، لكنه في لحظةٍ قرر العودة، وخطا من دون أن يلتفت إلى الوراء، أو لنقل بعبارة أدق ينظر إلى الأمام، حيث مشارف المستقبل، إلى أحد مكاتب حجوز الخطوط الجوية، ويعود إلى بغداد، وكان أول مشوار ذهب إليه هو “الباب الشرقي”.

سألته بتهكم: ماذا فعلت؟ كنت آمل أن تدبر لي شيئًا هناك، لا أن تعود بخفي حنين؟

لكنه حاول كالذي سبقه أن يبرر سبب عودته، وأخذ يحدثني عن الجو الكئيب والحياة الرتيبة.

ضحكت، وقلت له غامزًا: يعني تريد أن تقول الباب الشرقي كان حيويًا والجو بديع والدنيا ربيع.

لا أدري كيف يفكرون، لكن ربما هناك دافع داخلي لا يستطيعون التعبير عنه هو من يتحكم في قراراتهم في العودة، من دون أن يفصحوا عنه، “هوم سك”، “نوم سك”، أو أي شيء آخر.

لديّ صديق في تركيا يتواصل معي عبر “الفايبر” يسألني في كل يوم عن الأوضاع هل تحسنت، والميليشيات هل انتهت، وفرص العمل هل توفرت، والاعتقالات العشوائية هل توقفت، والسيطرات هل رفعت، والشوارع المغلقة هل فتحت، والمساجد هل أصبحت آمنة بحيث يصلى فيها من دون خوف، وهل الأسماء مصانة من الملاحقة والتصفية، والشوارع هل خلت من مظاهر الطائفية؟ وأسئلة أخرى لو أجيب عليها بكلمة “نعم” لعاد إلى الوطن، ولم يفكر بالخروج منه إلا للنزهة والسياحة.

العراقيون، لا يفكرون بالهجرة أو اللجوء، لكن حكامهم والأحزاب المتنفذة، والميليشيات هم من يجبرونهم على ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد