ذات يوم دفعنى الملل إلى اكتشاف ملف الأفلام الموجود علي جهاز الكمبيوتر الخاص بى، وكانت المشكلة أن معظمه افلام هندية وأنا أمقتها كثيرا، ولكن لم لا أجرب واحدا؟

“Rang De Basanti” … هكذا وقع اختيارى العشوائى الذى جعلني أقضى ساعتين ونصف من الإبداع الذى لم أكن أتوقعه، هل تعرف تلك الأفلام التى تجعلك تتخيل نفسك وسط الأبطال وتجبرك على جمع كل المعلومات عن طاقم العمل والقصة كى تعطي الفيلم الذى أمتعك حقه من الاهتمام؟ حسنا كان هذا واحدا منها. معناه باللغة الانجليزية  (Colour of Sacrifice) أى “لون التضحية”.

يحكي الفيلم عن صحفية بريطانية تقع بين يديها مذكرات جدها الذى عمل بسجون الهند وأشرف علي تعذيب وإعدام ثوار من حركة تحرير الهند فتقرر عمل فيلم وثائقي عنهم، تسافر (Sue) إلى الهند ، وبمساعدة صديقة هندية لها تعثر على أبطال فيلمها الذين لا يعرفون شيئا فى الحياة سوى السهر والمزاح واللا مبالاة بكل شىء، يوافقون علي مضض فى البداية لأنهم غير مقتنعين بتضحيات أبطال القصة الحقيقية ويرون أنهم أضاعوا أعمارهم هباءً من أجل وطن فاسد أو “قاع مستنقع” على حد قولهم .

وعندما بدأوا يندمجون فى أدوارهم فاجأهم القدر بموت صديقهم والذى يعمل طيارا حربيا، توقفت طيارته لوجود عيب بمحركاتها، فالوزير فضل أن يشترى طائرات فاسدة كى يحتفظ بباقى النقود له ولشريكه، يكتشفون بعد ذلك أن صديقهم لم يكن الضحية الأولى، بل سبقه الكثيرون ، وأن قضية الفساد هذه معروفة منذ زمن وجرائد المعارضة نشرت تفاصيلها أكثر من مرة، ومع ذلك يظهر الوزير بوسائل الإعلام؛ ليعلق قائلا : إن الطيار لم يكن كفؤا ، وأنه هو المتسبب في إسقاط الطائرة.

هنا يجن جنون أصدقائه ويخرجون فى مظاهرة سلمية حاملين الشموع والورود وصور صديقهم، وما أن بدأت المظاهرة حتى جاءت قوات الشرطة بعصيها وغازها المعتاد، يتذكر الشباب الفيلم الوثائقى الذى يقومون ببطولته عندما كانت القوات البريطانية تعتدى على المتظاهرين ضد الاحتلال وتقتلهم، انهالت الشرطة على المتظاهرين بالضرب والسحل حتى أن والدة  الفقيد أصيبت بغيبوبة من شدة الاعتداء عليها، وكأنه لا يوجد فرق بين الماضى والحاضر.

هنا يدرك الأبطال أن معاقبة القانون للمجرم فى بلدهم هو مجرد حلم مستحيل التحقيق ، ويجب عليهم أن يقاوموا بأنفسهم مثلما فعل أبطال القصة التي يقومون بتمثيلها، “سننتقم من الوزير جزاء على ما فعله بصديقنا” هكذا كان قرارهم.

وبالفعل راقبوا تحركات الوزير وقاموا بتنفيذ خطتهم، ورغم أن شريك الوزير بقضية الفساد هو والد أحد هؤلاء الشباب، إلا أن ابنه قتله وهو يبكى حتى لا يتسبب بمقتل طيارين آخرين، بعد ذلك يقررون أن يعترفوا على أنفسهم كى لا تقوم الحكومة بحملة اعتقالات تعسفية ويدفع الأبرياء ثمن جريمتهم، ومن ثم يذهبون إلى مبنى الإذاعة الرسمية للدولة، ويضطرون إلى اقتحام بث برنامج يذاع على الهواء حتى يعترفوا للشعب بأجمعه، وما أن انتهى الشاب من اعترافه حتى انهالت عليه الاتصالات الهاتفية تمدح شجاعتهم وتشكرهم ؛ لأنهم أنقذوا الناس من هذا الوزير الفاسد وبدأت ضحكات الأصدقاء تعود تدريجيا؛ لأنهم تخلصوا من هذا الحمل الثقيل حتى أنهم بدأوا يمزحون حول ما سيحدث لهم فى السجن، وفجأة حاصرت قوات الشرطة المبنى وأمطرته بالغاز المسيل للدموع  ثم قتلت الخمس شباب علي الهواء وعلى مسمع من الشعب كله.

ما لفت نظري ليس فقط أن الفيلم إهداء لأرواح حوالى 70 طيارا تحطمت طياراتهم خلال ال 15 سنة الأخيرة، بل إن الفيلم حين تم عرضه عام 2006 تسبب فى خروج مظاهرات عارمة تطالب الحكومة بمحاسبة الفساد المستشرى فى الحكومة بالفعل حتى لا يتحقق الفيلم على أرض الواقع ويبدأ الشعب بالقصاص بنفسه.

سرحت بفكري كثيرا بعد انتهاء الفيلم الذى شاهدت فيه مصر، هل يمكن أن يأتى اليوم – وأنا علي قيد الحياة – الذى أشاهد فيه فيلما يروى ما يحدث لنا منذ أربع سنوات؟ هل سيكون مثلا فيلما عالميا يحكي عن فض اعتصام رابعة ويخبر العالم كم ألف حياة فُقدت ، وكم ألف شخص اعتقل بسبب اعتصام سلمى؟ ثم ضحكت فجأة من هذا الخاطر الأبله، من يستطيع أن يقوم بدور “أسماء البلتاجي” أو “حبيبة عبد العزيز” أو “خالد بن الوليد” أو “عمار صلاح” أو أو أو أو؟

من الطفل الذى يستطيع أن يبكى مثل “رمضان” ويترجي أمه المتوفية كى تستيقظ مجددا؟ من ؟ هل هم الفنانون الذين يصطحبهم “السيسى” معه فى كل نزهة ؟؟ أم أبطال أفلام “السبكى” أم “أولاد سليم اللبانين”؟ أم ستظهر وجوه جديدة من الأجيال التى تدرس بطولات “تهانى الجبالى” و “محمود بدر” فى كتب التاريخ؟ ثم فطنت لحقيقة أخرى، من سيسمح لنا بتنفيذ مثل هذه الفكرة من الأساس؟ أهو النظام الذى يسجن الفتيات ويعدم الشباب من أجل شارة بها أربع صوابع؟

وحتي إذا صنع الفيلم، هل سيكون رد فعل الجمهور تجاهه مثلما فعل جمهور الهند الذي لم يخل فيلمهم من بعض المبالغة المشهورة بها أفلامهم؟ السيدة التي رقصت وأطلقت الزغاريد ابتهاجا ً بالمذبحة والرجل الذي بارك السلطة وأيد الدم ،هل سيؤنبهم ضميرهم ولو قليلا إذا عرضنا لهم مجرد ساعتين ونصف مما حدث لنا ؟

قلت لنفسي إن الامور يوما ما ستصبح مختلفة وسنستطيع أن نحكي عن شهدائنا دون خوف، ثم أيقنت أنه حتي وإن حدث هذا فماذا سنتسفيد نحن؟ أبعد كل هذا الدم والألم والقهر سيأتي فيلم أو رواية ما ليعالج جروحنا ؟ السيدة “سناء عبد الجواد” مثلا – التي فقدت زوجها وأبناءها كلهم بين معتقل ومطارد وشهيدة – هل ستأخذ حقهم إذا صنع ألف فيلم يحكي عن أسرتها ؟ حتي لو تغيرت السلطة الحاكمة غدا، هل سنعود كما كنا من قبل نتناقش حول مباريات الأهلى والزمالك وألبومات “عمرو دياب” الأخيرة؟ متي سنشفى ونعود طبيعيين ؟ أو بالأحرى هل يمكن أن نشفى أصلا بعد كل هذه النزهات بين المعتقلات والمحاكم والمشرحة والجلوس علي مقابر أصدقائنا ؟

هل يمكن أن تُختزل كل الأحلام الكبيرة من عيش وحرية وعدالة اجتماعية كى تتحول الآن إلى حلم تافه بفيلم يروى ما يحدث لنا أو بحلم أتفه، هو أن نحيا طبيعيون ؟

هل حقا اغتصب الأوغاد كل شئ إلى هذا الحد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفلام, السيسي, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد