حدثني أحد الإخوان الشباب حين كنا نتحدث عن المأزق الذي وصلت إليه الجماعة وكيفية المخرج منه، فقال حديثًا يهز الروح ويعكس مدى الارتباط المعنوي والوجداني لهذه الجماعة من قِبل قواعدها، وتشاركنا في الحديث والخيالات وشطح كل منا إلى عنان السماء، ولم ينقصنا سوى موسيقى تصويرية إسبانية هادئة ليكون المشهد سينمائي باحتراف يعجز في الحقيقة عن نسجه أبرع السيناريست والمخرجين، كان مما تخيلنا موقفًا فريدًا خياليًا يقوم به قادة الإخوان القدامى أن يصدروا بيانًا يقولون فيه:

“الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وسيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن والاهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد، أيها الأحبة الكرام، أيها الإخوان المسلمون، أيتها الأخوات المسلمات، أيها الثوار الأحرار، أيتها الحرائر الثائرات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نكتب إليكم هذا البيان في وقت تاريخي قليل تكراره، ونادر حدوثه، وقتٌ يجب على الجميع فيه أن يقفوا متجردين من كل شيء إلا الحق والحقيقة، وقتٌ علينا فيه أن ننظر للماضي بطرفة عين لنتعلم منه، ونتجه بكلنا إلى المستقبل.

أيها الإخوان المسلمون، في كل ربوع الأرض وأقطارها، بل يا كل المسلمين الذين وضعتم ثقتكم الغالية في تلك الجماعة المباركة ولا زلتم، إن جماعة الإخوان المسلمين إن كانت ملكًا لأحد فهي ملك للأمة المسلمة بجموعها شبابًا وشيبًا، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، وأجنة في بطون أمهاتهم، كل هؤلاء لهم في ملكية تلك الجماعة المباركة صك، ولهم في شأنها سهم، وهذا ما أثبتته التجربة الأخيرة حين دفع الجميع من دمائه وحياته ولم يتوانوا، شأنهم كشأن أعضاء الجماعة المقدمين.

واعلموا أن موضع القيادة يُشكّل الشخص بقدر ما يُشكل فيه، فمن كان قائدًا في مرحلة من سماتها السرية والكتمان لن يفلح في غيرها من المراحل لأنها شكلت في شخصه وتكوينه وأثّرت فيه بقدر ما أثّر فيها، واعلموا أنه عندما مات الإمام البنا ظننا جميعًا بانتهاء الجماعة وفقدان بوصلتها، ولكنها دامت سنينًا وانتشرت في كل ربوع الأرض بفضل الشباب، فلو كان أحدٌ تنتهي الجماعة بزواله عن القيادة لكان البنا رحمه الله حقيق بذلك. وإياكم أن يظن أحدكم يومًا أنه هو الجماعة والجماعة هو، فالجماعة تسير بأمر الله وتوفيقه ويهيئ لكل زمن رجاله ولكل مرحلة من أنبته لها، فلا يظن أحدكم أنه الصالح لكل زمان ومهمة، فوالله لو كان عمر الخليفة وقت الردة لهلكت الأمة، فادركوا هذا المعنى وعوه جيدًا.

وإن كانت للجماعة قوة فبالشباب، فأنتم عماد القوة والعقل، ولا تنسوا أن البنّا رحمه الله أسس الجماعة وهو ابن العشرينات فلا تقللوا من قدر أنفسكم وأنزلوها منازلها، وإن فاتنا من إدراك بعض الحق فإنه بكم مُستدَرك، واعلموا أنكم على خطب عظيم تقودون فيه الأمة جمعاء، فكونوا على قدر المسؤولية والمهمة، واصلوا الليل بالنهار في العمل والجهد والبذل.

يا معشر الشباب نُسلمكم رايةً لهي أعز علينا من أنفسنا وحياتنا بكل ما فيها، فاحفظوها حفظكم الله، أفنينا فيها أعمارنا، وشبنا تحت ورد رابطتها، ونحن معكم ستجدوننا دائمًا بجانبكم نشد على أياديكم كما يفعل الأب الرفيق بابنه الذي له محب، نُسمعكم إن استسمعتونا، ونشير عليكم إن استشرتمونا، ولنكن لكم مستشارين وحفظة، نقص عليكم تاريخ جماعتكم لتشقوا طريق المستقبل بفخر واعتزاز مستلهمين من الماضي ما يشحذ همتكم وينير لكم الطريق، وارجعوا إلينا إذا حزمكم من الأمر ما تحتاجون فيه الأب والمربي والشيخ الجليل .

وعليكم بالأوراد والتقرب إلى الله بالطاعات والقُربات ولا تنسوها فتهلكوا، فوالله هي سر النصر والحفظ وهي ما يُميزكم عن أعدائكم، وعليكم بوحدتكم فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.

وكان من شأنكم معنا دومًا تقبيل أيادينا، فإنا والله ونحن نُسلمكم هذه الراية والمهمة العظيمة فإنا نقبل رؤوسكم ونشكركم أن لم تتهمونا ولم تذكروا لنا حتى كلمة عتاب وكنتم كرماء نبلاء، ونسأل الله لكم التوفيق، وامضوا قدمًا واستعينوا بالله ولا تعجزوا .
والله أكبر ولله الحمد.

الله غايتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد