ما إن فوض الرئيس السابق محمد حسني مبارك السلطة إلى المجلس العسكري في فبراير 2011، بدأت جميع الأطراف في مصر التنازع والسعي والاجتهاد لفرض سيطرتها، ولكنهم أدركوا أنهم أمام قوتين لا يمكن الاستهانة بهما، هما المجلس العسكري الذي في يده مقاليد الحكم الأساسية والرئيسية والفعلية، وبين القوى الإسلامية. فما كان من القوى المدنية الا البحث إما عن الفصيل الذي يحقق لهم الحد الأدني من التمثيل والمشاركة، وإما البحث عن الطرف الأقوى منهم والذي سيكون له السيطرة ومحاولة اغتنام ما يمكن اغتنامه.

 

ومنذ اكتمال ذلك المشهد حتى بدأنا في البحث عن التوازن بين مشروع الدولة المدنية وبين الحقوق المجتمعية التي نادت بها ثورة 25 يناير، وبناء على انقسام المشهد النخبوي انتقل التناحر والخلاف إلى الميادين، كل ميدان له من يمثله وما يدعو إليه. كانت هذه هي نقطة النهاية لمشروع الدولة المدنية وتأسيس لنظام مدني تقوم عليه الدولة في ظل مرحلة حكم وتحكم المجلس العسكري المصري وقيادته لمقاليد الأمور في ظل مرحلة غير متوازنة متوترة، وكانت قراراتهم تحمل الكثير من الأخطاء، ولكنها في رأي البعض حمت مصر من الانهيار ورأى البعض الآخر أنها أرست مزيدا من التوتر والتناحر، ولكن في الحقيقة هي كانت تخطط لاسترداد ما سلب منهم، ورأينا أن القوى الإسلامية على وفاق مع المجلس العسكري وقراراته.

فجاءت النتيجة على غير رضا للشباب الذي شارك في ثورة يناير، لإدراكهم أن هذه الثورة لم تسقط النظام القديم، بل أظهرت أن هناك قوى كانت مستترة طوال عقود في ظل النظام القديم، فكانت المطالب الأساسية تأسيس دولة عادلة ذات نظام مدني، وللأسف لم نستطع الاستقرار على قواعد ديمقراطية واضحة بفضل تنازع الأطراف على السلطة، والنخب على استقطاب من يمكن استقطابهم والضغط بهم على الأطراف الأخرى، ومجموعة من الشباب الذين استغلوا الحراك وهذه المطالب ليفاوضوا بها الأطراف المختلفة.

ثم جاءت مرحلة الرئيس محمد مرسي وتحكم وانفراد جماعته بالسلطة والتشريع، وفي هذه المرحلة ولد دستور جديد مشوه من رحم القوى الإسلامية يؤجج الخلاف بين مفهوم الدين والدولة، ويؤجج الخلاف بين الشباب الداعي إلى دولة مدنية وبين النخب والقوي الحاكمة، وتعاونها مع المجلس العسكري لتقويض الحركات الداعية إلى المشاركة العادلة وتأسيس نظام مدني بعيدا عن سيطرة وتحكم الدين والقوى العسكرية.

فعندما استلم الإخوان المسلمين السلطة من المجلس العسكري، بدأ الطرفان بإحصاء خسائرهم، فوجد الطرفان أنفسهم قد خسروا كثيرا من أرصدتهم وقوتهم وشعبيتهم ومكانتهم بسبب عاداتهم الفوقية والسلطوية وضعف خبراتهم في التعامل مع التنوع الفكري ومع من يقفون خارج دوائرهم الضيقة، فبدأ كل طرف منهم بتهميش الآخر واللعب منفردا. وبالطبع نجح المجلس العسكري المصري في القضاء على فترة رئاسة وتحكم الإخوان بمقاليد السلطة، بعد أن ناشد المدنين الذين أبعدهم من قبل أن الدولة لن تكون مدنية عادلة في ظل وجود القوى الإسلامية.

وتحالف المجلس العسكري مع بعض القوى الإسلامية لضمان التنوع الظاهري والشكلي للقضاء على القوى الأكثر تأثيرا وهي الإخوان المسلمين. والسؤال الذي تطرحه هذه الجزئية هو، هل فهم المجلس العسكري المصري أن طبيعة المرحلة تتطلب التنوع الفكري والتشارك في إدارة الدولة ومؤسساتها بما يسمح لعدم التفرد؟ أم هل ينجح الجيش في الإدارة منفردا بعيدا عن أي قوى أخرى مدنية كانت أم دينية، وأن مجرد الاستعانة بهم للقضاء على حكم الإخوان هو إجراء شكلي أمام العالم؟

بعد 30 يونيو 2013 اقتنع فريق من المدنين في وقت من الأوقات أن الجيش سينجح حيث لم ينجح الإخوان المسلمون، لقد اقتنعنا أن الجيش المصري ووزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي يريد التنازل والتمهيد لانتقال سلطة أكثر صحية ودستورية وأنه لن يكرر الأخطاء السابقة وأنه لن يسعى إلى السيطرة. تساؤلات عدة تظهر أمامنا بوضوح عندما يقولون إن الجيش استلم المهمة تحت شعار إنقاذ الوطن والانحياز للشعب وبسط نفوذه وقوته في مؤسسات الدولة جميعها وفي قيادة البلاد لأطول مدة ممكنة.

 

إن الدعوة وقتها إلى نظام مدني وإلى اقتصاد حر يخدم كل الأطراف والأطياف المصرية المختلفة، هو ضرب من الخيال على المدى القصير نسبيا، لعدة أسباب أهمها تحكم الجيش وسيطرته على مؤسسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بدعوى تطهيرها من القوى الإسلامية التي تريد التخريب. وصل بهم الحال بعد انتخاب الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي إلى عدم التفريق بين من يريد التخريب ومن يريد الإصلاح، مجرد تساؤلنا عن مستقبل الديمقراطية في بلادنا، وعن مستقبل علاقة الجيش بالسياسة وبحقوق الإنسان وحق التعبير والمجتمع المدني والأحزاب وحرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير، كان فى حد ذاته جريمة من وجهة نظرهم ومحاولة لهدم الدولة!

إن الجيش المصري في هذا التوقيت في أقوى لحظاته (بصفته المتحكم السياسي)، لكنه في نفس الوقت بداية لتراجع لصالح المدنيين والمدنية، كما كان التيار الإسلامي في أقوى لحظاته بداية عام 2013 ولكنه بدأ في التراجع والاندثار وضعه على محك ومسار مختلف بداية من 30 يونيو . ما يحدث الآن هو إرهاص لدولة مدنية لا نريد أن تخضع لسلطة الجيش السياسية كما في السابق، ولا نريد أن تخضع لأي قوى استبدادية، ولا نريد تحويل الدين إلى أداة قمع، ولا نريد تحويل الجيش المصري إلى حاكم سياسي وترك دوره المنوط به.

إن فكرة الدولة المدنية الديمقراطية تزداد حضورا في مصر الآن بفضل شباب لم يسمع بهم أحد، بفضل شباب مدني موجود الآن في السجون المصرية تحت دعوى التظاهر وخرق قانونهم للتظاهر. على الرغم من التفاصيل المؤلمة التي نعيشها الآن والخسائر والمحبوسين والشهداء من كل الأطراف يتغير شكل المجتمع المصري كما لم يتغير أبدا، لقد قطعنا شوطا طويلا منذ ثورة 25 يناير إلى الآن، وأمامنا الكثير لتحقيقه خلال الفترة المقبلة، لأننا قبلنا أن نعيش مخاطر الانتقال العسير إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي نريدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد