قيل لي ذات يوم «في الوطن حياة للحياة» فهو قطعة من الجسد وجزءٌ من الروح، فشوق الغائبين عنه كشوق الظمآن للماء البارد في صيف الهاجرة الحار، إنه ليس مجرد قطعة أرض وحفنة تراب خُلقنا منها فحسب، بل إنه الوَطَن الذي لا تزال ذكراه بين أركان الفؤاد حاضرة مهما أبحرنا أو ابتعدنا، سمعت صدى هذه الكلمات يتردد بداخلي وكأنه يأتي من بئرعميق. ولكن الفرق بين الأمس واليوم كالفرق بين الدنيا والآخرة.

مع آخر عامين في الجامعة، بدأت العمل على ذاتي بقوة لتنمية المهارات التي يتطلبها تحقيق أكبر أهدافي، وبداخلي يقين تام بأن أول الطريق سيرحب بي ما دُمت أمتلك المهارات والقدرات المطلوبة. ولكن أول الطريق كان بالنسبة إليّ كالساحل الذي تموت فيه الأمواج فتنسحق وتتلاشى بهدوء دون ضجيج يُذكر.

فكلما نضجت زادت قدرتك على التفكير ومعها سيزيد يقينك بأنّ بعض الكلمات التي رُسخت بداخلنا – منذ نعومة أظفارنا – لا تمت للواقع بصلة، فما نراه اليوم هو الوطن الذي يكتب نعي أحلامنا وأهدافنا ثمّ يضعها تحت قدميه في مقبرة جماعية للأحلام وأسبابه واضحة – كما يدعي – بأنّ هذا الشخص من العوام وبالتالي لا يمتلك المقومات المطلوبة لتحقيق أي من أحلامه، فهو شخص لا يمتلك «واسطة» وبالتالي فهو غير صالح ليكتب أثرًا بنجاحه على جبين هذا الكون، فيظل ذاك الإنسان يدور حول نفسه في حلقة مفرغة حتى يصبح جثة هامدة بلا رغبة ولا معنى.

فنجتهد – نحن أصحاب الأحلام – لنجد الفرصة لفراقه، ويتضاعف الجهد عندما نخرج منه بأن لا تحين الفرصة للعودة له مرة أخرى، فعندما نبحث عن الأمان نجده بخارج أوطاننا، وعندما نبحث عن ذاتنا نجدها تُحقق أحلامها بغير أوطاننا، وعندما نبحث عن الحياة التي نحيا فيها أعزاء غير أذلاء نجدها هناك أيضًا خارج أوطاننا. نعم، فأنا أنتمي إلى ذاك الوطن الذي لا يعبأ حين يُسقطنا في تلك المقبرة ونحن لا نزال على قيد الحياة.

وحتى الآن ما زلت عالقة في منتصف خطين فاصلين؛ الأول يرسمه القلب بريشة تلك الكلمات عن معنى الوطن، والآخر ينبثق من العقل الذي يتوكؤ دائمًا على أمثلة قاطعة كافية بجعل الأمل يولّي مدبرًا في الجهة المضادة. لكن وحتى هذه اللحظة، أسعى جاهدة لبناء أحلامي كمن يبني الجبال من حبات الرمل. وأنت يا صاحب الحلم، تذكر أن أرض الله واسعة فلا تجعل قطار عمرك يمر خطفًا من دون نجاح، فالناس آثار أعمالهم، وإن مكثت مكانك فلا تجعل غيوم الفساد والواسطة – في وطنك – مهما كانت ظُلمتها تمتد على شمس حلمك بالظلام فيبقى طي الكتمان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد