ما هي هذه الأهداف التي يتحدّثون عنها طوال الوقت والتي يجب أن نختزل حياتنا فيها؟ ولمَ كل هذا الهوس في أن يتذكرنا العالم؟ ألا يكفي أن نكون أنفسنا، ونحقق غاياتنا الصغيرة، أن نعطي لأننا نحب أن نعطي، ونمارس ما نشعر برغبة في ممارسته، وكل شيءٍ آخر يأخذ موقعه من هذه النقطة؟

أن تستيقظ صباحًا وتبتسم لأنك على قيدِ الحياة ليومٍ آخر، أن تقوم بصنع إفطارك الخاص وأنت تخطط ليومك، ثم فجأة يخطر لك أنك لن تخطط له، ستعيشه كما هو فحسب.

ترتدي قميصك بشغف، ترشّ عطرك المفضل وتنتشي برائحته في الهواء، تربط حذاءك بزهو، من الرائع أنني ابتعته لأنني في كل يومٍ أرتديه أشعر بهذا الزهو، من الرائع امتلاك حذاءٍ كهذا!

تفتح باب بيتك ويستقبلك شعاع الشمس بدفءٍ يغمر مساماتك نورًا.

يحزنك منظر الطيور الجائعة وتعود لإحضار الحبوب من بيتك لإطعامها، لا يهمّك كم يستغرق هذا، في الحقيقة أنت لم تشعر قط أنّ هناك ما يفوتك، لذلك تقضي وقتًا طويلًا وأنت تتأملها بحنان وهي تتناوله.

تسير لمكان عملك وأنت تتساءل عن خططك المستقبلية، يخطُر لك أنك لستَ متأكدًا بشأن المستقبل، وأنّ زيادة وارداتك لا تهمك بقدر ما يهمك زيادة القلوب التي ستبهجها، الأفكار التي ستغيّرها، والأشخاص الذين ستلهمهم.

تُراقب حركة الشارع، يُضحكك منظر الأطفال متجهمين في ثياب المدرسة، تقول في نفسك:

يومًا ما سيحبون ما يعملون، لأنهم سيختارونه.

تتأمل واجهات المِحال ويثير اهتمامك إعلان يقول: «تعلم اللغة الألمانية في خمسة أشهر، مع إقامة تدريبية لمدة شهر في هامبورغ».

وآخر يقول: «لتعلم العزف على آلة الڤايولا اتصل على هذه الأرقام».

تشعُر بالدم يفور في عروقك، تستنفر لتسجيل كل الأرقام على هذا الإعلان والإعلان الذي سبقه، لطالما استهواك تعلّم كل شيء.

تصل لمكان عملك قبل الوقت بنصف ساعة، رائع ما زال هناك متسعٌ من الوقت لتناول الإفطار، تضرب أرقام المطعم القريب على لوح الهاتف وتطلب شطيرة «الفلافل» اللذيذة، تشعر بسعادة صغيرة حين يأتي الطلب، تحاول إخفاء علائم غبطتك بشطيرة الفلافل حرجًا، فقط هي من لا تُخفي عنها أي شيء، تُراسلها عبر الواتس آب وتُخبرها «لقد طلبت شطيرة الفلافل، تعلمين كم أحبها» تغلق هاتفك وتبتسم، تتذكّر كل ما يتعلق بها بسرور تشعر به في أطرافك، تتذكّر أحلامكما البسيطة التي ما زلتما تعملان على تحقيقها، بيت صغير دافئ، أطفال في غاية الجمال يشبهونها ويشبهونك، يبدو لك كل هذا رائعًا كيومٍ ماطر.

تشمر عن ساعديك وتباشر العمل، تبدو هذه الحركة مبالغًا فيها، كأنك تتهيّأ لمصارعة أحدهم، لكنك لا تستطيع ألا تفعل حين تتحفّز لممارسة عملك الذي تعشقه.

في الظهيرة تنهي أعمالك وتفكر بالعودة لبيتك، تتذكر الترقية التي أخبرك عنها مديرك، وتفكر في أن ترفضها بلطف، لا تريد زيادة ساعات عملك، وبالتالي لا يهمك زيادة مدخولك، وتُريد أن تخبره أنك ستأخذ إجازة لمدة شهر بعد خمسة أشهر.

تخرج وتلفعك أشعة الشمس الحارقة، الجو حارٌ كالجحيم، كنت تفضل السير لكنك الآن مضطرٌ إلى استقلال سيارة أجرة، توقف واحدة وتُخبر السائق بعنوانك، اثنان آخران يشاركانك السيارة، تُخرج الرواية التي بدأتها بالأمس وتستغرق في قراءتها.

يعبس الذي يجلس بجانبك ويتأفف لبعض الوقت قبل أن ينفد صبره ويقول: لماذا تقرأ الروايات يا بني؟ ما هي فائدة هذه الترهات؟ أليس من الأفضل لك قراءة كتاب يفيدك بعلمٍ أو بصنعة؟

يرد الآخر معقبًا: هم محض جيل فارغ مغرم بتضييع الوقت بدلًا من استثماره في تحصيل النجاح في المستقبل لرفع راية الأمة.

يتحمّس الذي يجلس بجانبك ويزدرد ريقه قبل أن يقول بسرعة: كل هذا يحدُث لأنهم لم يحددوا أهدافًا عظيمة، إن أحدهم يكون كالبهائم بل هو أضل، كل ما يهمه أن ينام ويأكل ويشرب ويستمتع بحياته، تخيل هم يظنون أنهم على سطح الأرض ليستمتعوا بحياتهم، يا للسخافة.

يهز الآخر رأسه موافقًا: نعم، يا للسخافة.

– لماذا يصرّ العالم على تصنيفنا؟

إذا كنت تفضّل أن تحرق روحك وتفني طاقتك لتحقق الشهرة والمجد أو لتجني أموالًا طائلة لا يجب أن أبدو لك فاشلًا إذا فضّلتُ أن أنفق حياتي أراقب السناجب على كرسي منسي في حديقة مهجورة، ليس من الضروري أن نملك جميعًا الأولويات نفسها.

وبالنسبة لراية الأمّة ربما عليها أن تتوقف عن تعليق آمالها على كل أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد