جرّب أن تستمع إلى أحلام أيّ شخص حولك، أخوك مثلًا أو صديقك أو حتى زميلك في مكان العمل أو الدراسة، اجعله يقصّ (الحلم) بتفاصيله مثلما جاءه، أو مثلما يتذكّره على الأقلّ. اجعلهُ يسرد حلمًا واحدًا.. اثنين.. ثلاثة، صدّقني ستشعر بالملل عند هذه النقطة، وستتساءل ما الذي يجعلك تضطرّ لسماع هذه الأحداث التخيليّة التي زارت عقله، والتي لن تعود عليك بشيء، ولن تقدّم إليك سوى تدريب على حسن الاستماع، ومجاملة الطرف الآخر حتى لا تظهر على وجهك علامات الملل وهو يتجلّى في أقصى حالاته.. ثلاثة أحلام لن تستطيع تحمّلها، فماذا لو قرأت أكثر من 260 حلمًا في كتاب لا يتجاوز 130 صفحة؟

 

عند تفاقم المصائب يتكثّف الإبداع!

في أحد أيّام عام 1995 وفي الساعة السابعة صباحًا يخرج كعادته من البيت، يركب سيارته لتلتهمه مشاغل الحياة.. ولكن شيئًا مختلفًا حدث ذلك الصباح، يتعرّض النّجيب لمحاولة اغتيال بسبب الضجّة التي سببها أحد أعماله الجدليّة، لحسن الحظّ أن الطعنة لم تتسبب في مقتله، لكنها أصابت جزءًا قريبًا من شريان يعتبر مهمًا جدًا: الشريان السباتي.. تحدث ضجّة هنا وهناك، يلوذ الفاعل بالهرب، ويُنقل محفوظ سريعًا ليستقرّ على سرير داخل إحدى المستشفيات.

لكن ليس هذا الجزء الأسوأ من القصّة، الأكثر سوءًا أنّ هذه الطعنة وإن كانت لم لم تقتله خقًا، غير أنها تركت شللًا في يده اليمنى، أو أثّرت بشكل واضح على حركتها.. اليد التي اعتاد محفوظ أن يستعملها كلّ يوم لممارسة أحب الأعمال إلى قلبه.. فقد محفوظ في هذه اللحظة قدرته على الكتابة الخطّيّة.

تبدأ رحلة نجيب محفوظ لكي يتماثل للشفاء تحت إشراف الطبيب يحيى الرخاوي، الذي يشرف على حالته، أتوا محفوظ بدفتر وقلم حتى يتدّرّب يوميًّا على الإمساك بالقلم والكتابة، يقول الطبيب يحيى الرخاوي: إنّ محفوظ كان شغوفًا بهذه الممارسة، يمكنك أن ترى هذه الحروف الكبيرة اللامتناسقة والكلمات المبعثرة في بداية الأمر بسبب مشكلته الصحيّة، ولكن كتابته كانت تتحسن كلّ يوم، فقد كان يكتب كلّ شيء وأيّ شيء يخطر على باله في تلك الفترة، وعليه فإنّ (أحلام فترة النقاهة) لم تكن تُملّ عليه ليكتبها، ولكن كان يكتبها بنفسه فخرج لنا بهذا الكتاب نتيجةً لهذا التدريب.

أحلام نوم أم أحلام يقظة؟

قد يكون أوّل ما يأتي على ذهنك عزيزي القارئ تساؤل مهمّ حول ماهيّة هذه الأحلام، هل زارت مخيّلة محفوظ أثناء نومه فألهمته وشرع في كتابتها، أم هي تشبيه أدبيّ حتى يتمكّن محفوظ من كتابة نصوصٍ داخل حلبة واسعة دون تقييد، أيضًا كي يثريها من إبداعات فكره وفلسفته الفريدة من نوعها. وهنا يجيبنا الدكتور يحيى الرخاوي صديقه الذي كتب دراسة نقدية حول الكتاب بعنوان (عن طبيعة الحلم والإبداع) من إصدار دار الشروق يقول فيها: أحلام‏ ‏نقاهة‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏هى ‏إبداع‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏. ‏كونه‏ ‏أسماها‏ ‏أحلامًا‏، ‏أو‏ ‏أنه‏ ‏استلهم‏ ‏نسيجها‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏مادة‏ ‏حلمه‏، ‏أو‏ ‏أنها‏ ‏تحركت‏ ‏فى ‏مساحة‏ ‏هيأها‏ ‏لها‏ ‏الحلم‏، ‏أو‏ ‏أنها‏ ‏تشكلت‏ ‏فى ‏زمن‏ ‏لوّح‏ ‏به‏ ‏حلمٌ‏ ‏ما‏، ‏أي من ذلك هو ‏في ‏نهاية‏ ‏الأمر‏ ليس إلا ‏عملية‏ ‏إبداعية‏ ‏فائقة‏، ‏تجلت‏ ‏في ‏وعى ‏مبدعها‏ ‏من‏ ‏أي ‏من‏ ‏هذا‏، ‏بل‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا‏. ‏هذا‏ ‏إبداع‏ ‏مبدع‏ ‏حقيقي ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏الاسم‏، ‏وعن‏ ‏أصل‏ ‏الانبعاث‏. ‏إذًا‏ ‏هي ‏ليست‏ ‏منامات‏ ‏بمعنى ‏أنها‏ ‏حدثت‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏، ‏ولا‏ ‏هي ‏حلم‏ ‏يقظة‏ ‏بمعنى ‏أنها‏ ‏لعب‏ ‏خيال‏ ‏انشق‏ ‏على ‏ناحية‏، ‏وانطلق‏.

نجيب محفوظ استوعب لغة الحلم؛ لأن إخراج الحلم له آليّات معروفة في علم النفس، واستخدم هذه الآليّات ليكتب من خلالها أحلام فترة النقاهة. فإذًا ما فعله نجيب محفوظ ليس تسجيلًا لأحلام، وإنّما هو محاولة لابتكار جنس أدبي جديد غير مسبوق في الثقافة العربيّة والعالميّة بطبيعة الحال.

من جهة أخرى هذا ما قاله (سيد الوكيل) الناقد والباحث في مجال الأدب، وفي الحقيقة عندما تقرأ العمل لا يمكنك إلا أن تتفق مع ما قاله هنا.. فبعد انتهائك من الكتاب لا يمكنك التعرّف على وصفة محفوظ، الوصفة التي تجعلك ما إن تنتهِ من حلمٍ حتّى تذهب مسرعًا إلى آخر، هي ذاتها التي تجعلك مذهولًا من عظمة ما ترمي إليه القصّة أو الحلم إن صحّ التعبير، ومن رمزيّتها التي تجعل تذوّق النصّ، خصوصًا في هذا النوع من النصوص، أعمقَ وأجمل.

دائمًا ما أشبّه نصوص محفوظ بالألواح الفنّيّة، وهذا التشبيه يأتي بوجهي شبه، الأوّل أن اللوحات تحتاج إلى وقتٍ كي تُحدّق فيها وتتلذّذ ربما بجمال تفاصيلها، وكذلك هي نصوص محفوظ، أمّا الثاني فإنّك إن أتيت بـ100 شخصٍ ووضعتهم أمام لوحةٍ فنّيّة وسألتهم عن المعنى، فمن المستحيل أن تتشابه تعريفاتهم، والجواب حتمًا سيكون مختلفًا حسب نظرة كلّ منهم، وأيضًا هذه الأحلام لا ترمي بالمعنى واضحًا وصريحًا، بل تكتفي أن توقد فضولًا وحربًا شرسة بينك وبين ذائقتك. 

هذا العمل الذي استغرق 10 سنوات ليرى النور ويستقر بين أيدي القرّاء قد تحوّل إلى مسرحيات ومعارض فنيّة، واحتضنته العديد من الدراسات النقديّة، سيراه الكثير (هذيانًا) لا معنى له، يخلو من الحوارات، وتفرّع الشخصيّات، وحتى الاقتباسات إن كنت ممن يقتبس كي يحتفظ بأجمل أجزاء الكتاب. كلّ هذا لن تجده داخل صفحات هذا العمل، ومع هذا فقد تعجب وتتعجب من هذه الكتابة الإبداعية الذكية، والتي من الممكن أن لا يقابلك مثيلها داخل أعمال كثيرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
s