الفوتوغرافيا، أو الرسم بالضوء، أحد الفنون التي ارتبطت إلى حد كبير بالأحداث والأماكن، ذلك أن هذا الفن قد تميز عن ما سبقه من الفنون بقدرته المميزة على تجميد الوقت  وصناعة اللحظات الحاسمة، كما أطلق عليها شيخ المصورين هنري كارتير بيرسون.

وبذلك ظهرت الفوتوغرافيا باعتبارها أحد أهم الأدوات الصحفية والتوثيقية،  مما دفع بأصحاب الفرش وأقمشة التوال إلى مغادرة اللوحات التشكيلية المباشرة والانتقال إلى المدارس المتمردة في الرسم، كالانطباعية وذلك في محاولة منهم للخروج من منافسة الفوتوغرافيا والتي تصنع ما يصنعون في ثوان معدودة.

henri cartier-bresson

إلا أن الفوتوغرافيين أبوا أن يسلموا لهذا الأمر، فاتجه بعضهم إلى نوع آخر ومختلف من الفوتوغرافيا ألا وهي الفوتوغرافيا التجريبية أو المفاهيمية،  حيث تأتي الفكرة قبل وقوع الحدث، فيتخيل المصور المشهد ثم يأتي بعناصره كالديكور، والأزياء، والممثلين ومن ثم يبدأ في نسج صورته وكأنها مرسومة بالكاميرا.

 

ونحن هنا أمام تجربة معاصرة ومستلهمة من واقعنا ومن تراثنا العربي، حيث قام مجموعة من شباب المصورين المصريين تحت مظلة نادي إن فوكاس للتصوير الضوئي، بتقديم رؤية فوتوغرافية تجربيبة معاصرة لأحد أهم أدباء العرب وهو الأديب نجيب محفوظ.

 

جاء اختيارهم لنجيب لما يتميز به من ثراء فني تجسد في بلاغة أسلوبه وفي قدرته على صناعة دراما قوية اتخذت طرقًا عدة في السرد، بدءًا من الرواية الواقعية (القاهرة 30) ثم الواقعية السحرية (الحرافيش)، مرورا بالحبكة الأففية (رواية ميرامار) ومن ثم تيار الوعي (اللص والكلاب) وأخيرًا التجليات الأكثر عمقًا في تاريخ الأدب العربي وهي أصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة.

ويقول العارضون إنهم يصنعون حملة ضد التغريب، ذلك أن الكثير من ممارسين هذا الاتجاه يتأثرون بشكل كبير بالطابع الغربي، نظرًا لرواج هذا النوع من الفوتوغرافيا في المجتمعات الغربية.

وقد كان آخر كتب نجيب محفوظ هو محور المعرض والذي حمل عنوان «أحلام فترة النقاهة».

ذلك أن الأحلام قد اتسمت بالسريالية الشديدة وبتوظيف عناصر تشكيلية قوية للتعبير عن هواجس الأديب، وقد بدا ذلك جليًّا في الأعمال المعروضة، ناهيك عما تميزت به من تلخيص شديد لهموم الكاتب وهواجسه التي  طالما تحدث عنها في مجمل رواياته.

وسنقف هنا أمام بعض تلك الأعمال ونحاول قراءة العناصر التشكيلية وربطها بما كتب الأديب.

 

الفنانة سلوى كريم

 

تمتد اليدين في تلاصق، وتنغلق في رقة كمن يخشى أن تتسرب من بين يديه المياه، لتحمل لنا مشهدًا مؤثرًا، ترى فيه الموت والحياة مجتمعين.

فالعصفور الساكن كالجنين يظهر ريشه كاملًا ولا يحمل لنا سوى الرقة والجمال، لكننا نتفاجأ في النهاية برأس ميت لا يتبقى منه سوى هيكل فارغ العينين.
وهو الهاجس الأكبر للأديب نجيب محفوظ، فطالما تحدث عن الموت حتى جسد له عملًا كاملًا وهو رواية «حديث الصباح والمساء» والذي حمل لنا أجيالًا كثيرة تتعاقب جميعًا وتتحطم أمام هادم اللذات.

وهنا نلمح تشابها بين أسلوب نجيب الخافت في حديثه عن الموت وتلك الحالة  من الرقة والبساطة التي عرضت من خلالها الفكرة داخل العمل الفوتوغرافي.

الفنان حسين محمود

 

يجسد هذا العمل بشكل قد يبدو للحظة الأولى مباشرًا، الغرفة التي يدير منها الحاكم أمور شعبه، معتمدًا على أحد أهم موتيفات نجيب محفوظ وهي مجتمع الفتوة، والذي دائمًا ما كان يرمز إلى السلطة وعلاقتها بالشعب «الحرافيش».

إلا أن العمل يحتاج إلى وقفة تأملية ودراسة تفصيلية لكل شخصية وللتشريح الجسدي الذي ظهرت به داخل العمل.

في المركز «استقر الفتوة» بجلبابه الفضفاض والأنيق، بجلسة واثقة وبوجه مفكر.

وعلى يساره بدا متجليًا شخصية ذات رداء أسود، تملي عليه بعض النصائح والتي يبدو جليًّا من تشريح الوقفة ولون الرداء وملامح الوجه أن ثمة شرورًا تملى على الفتوة على طريقة تشبه الميكيافيلية، فهو يوزع في نفسه كيف تدار الحارة وكيف يحكم الحرافيش كل ذلك في خبث مبين.

ثم يأتي على أقصى اليمين، الحارس، والذي يحمل وجهه معاني السذاجة، فهو لا يملك سوى القوة والنبوت، ولا يعرف للعقل معنى.

ويأتي الخادم وهو أحد أفراد الشعب على اليسار بردائه الرث ليقوم بخدمة الملك، ويليه الشيخ الناعس والذي يرمز للسلطة الدينية المسيسة حيث يجلس بجسد مترهل وبطن ممتلئ قابع أمام المائدة العامرة بالفاكهة.

في المنتصف يستقر المتاع، متجسدًا في طبق الفاكهة.

ثم تأتي أحد أكثر عناصر اللوحة ذكاء، وهي المرأة المستقرة في عمق اللقطة من النافذة البعيدة، حيث تنظر من زاوية مرتفعة، نحو الغرفة، مما يرمز إلى القوة وإلى السلطة المتخفية وكأن كل ما يدار يحاك بعقلها المستتر والمسيطر في ذات الوقت.

و أخيرًا يأتي العنصر الذي كسر واقعية الصورة، ألا وهو اليد التي تخترق الأرض من زنزانة في الأسفل. وهي رمز صريح للشعب، حيث تسعى  يائسة للوصول إلى شيء من طبق الفاكهة أي أنها فضلت أن تسرق الأكل على أن تسرق النبوت بيد الحارس، وهذا يعني أن العيش يأتي قبل الحرية في محاولتها المتمردة.

والحقيقة أن أجمل ما في هذا العمل، أنه قد تم تصويره بشكل منفصل، فعلى حسب قول الفنان أن كل عنصر من عناصر الصورة قد صور مستقلًا، ثم تم تجميعه في عمل واحد باستخدام برنامج الدمج رقمي، الفوتوشوب. وهو مجهود كبير يستحق الاحترام والثناء.

 

الفنانة هند وهدان وصورة « الطوفان»

تحدث نجيب عن قصة الطوفان، التي تكررت في جميع الأساطير وخلدت في الأديان وحكيت تفصيليًّا في القرآن الكريم.

وجعل منها نجيب وسيلة لبدء دورة حياة جديدة في مجتمعات شابها الفساد حتى النخاع، وقد تكرر حكيه عن الطوفان في أحلامه الأخيرة، وصبغت هند تلك الفكرة بهواجسها، فتخيلت نفسها جالسة في فستان أبيض يحمل معنى البراءة، مطرقة برأسها إلى الأعلى بوجه مستتر ويد متوسلة نحو قارب صغير يطير في الفراغ. راغبة في النجاة وسط محيط مجهول أشبه بالعدم لا يظهر به سوى لون داكن متناقض مع زيها الملائكي.

وهنا يظهر المركب بوصفه رمزًا صريحًا للنجاة، في حجم صغير ربما نجح في أن يعبر عن ذلك الهول الذي تحداه القارب حتى ينجو بالصالحين.

أجمل ما في العمل أنه يقترب من الواقعية في التنفيذ خصوصًا مع بساطة عناصره، لكنه يحمل ما يكفي من الثراء الفني والبصري.

 

الفنان هاني سلطان والبحث في «الصور المتحركة»

هكذا اختار نجيب عنوان أحد تجلياته أن يكون «الصور المتحركة» حيث حكى لنا عن بشاشة الوجوه وسعادتها وقت التقاط الصورة. إلا إنهم الآن قد رحلوا جميعًا وصاروا طي النسيان.

وبهذا الوحي اختار هاني أن يحكي قصته في لقطة واحدة ومباشرة، بعيدة عن تأثيرات البرامج الرقمية، فنرى هنا الطفل يجلس في منتصف اللقطة، ليخلق تماثلًا مثاليًا بجسده بين نصفي الصورة، ويستلقي بيديه على الطاولة، ماضيًا بوجهه نحو صفين خاليين من المقاعد المتقابلة، أمام كل مقعد منهما إطار فارغ، لعله يرمز لصاحب المقعد، الذي كان يجلس هنا من ذي قبل. صورة حملت معنى الأسرة الحاضرة الغائبة،  حاضرة بأدواتها وغائبة بذواتها.
ولعل اختيار الطفل أذكى ما في الموضوع، فهو يجسد المستقبل بعمره الحديث، ويشعرنا بقسوة بذلك الفراغ الذي يحيط به في عمر لا يزال يبحث عن سند أو ونيس.

وعلى المستوى التقني، فقد نجح في أن يصنع تأثيرًا رائعًا بمصدر الضوء الوحيد الذي أشاع النور داخل المكان، ورسم ظل الطفل حتى يصبح أكثر غموضًا وغربة. كذلك اختياره أن يكون تركيز الوضوح على الطفل يليه باقي العمل الذي يغيب في نعومة معبرًا عن غياب أهل المكان الذي حدث متعاقبًا بنفس تلك النعومة.

 

محمد عبد الغني وصرخات الوجوه

يمضى المواطن المطحون في هيئة رثة، يغلب عليها الجنون، يشيح باصبعه وفي فمه سيجارة مخاطبًا الفراغ، مشهد تعودنا رؤيته في الشوارع لأرباب الأمراض النفسية.

لو أطلقنا سهمين من جسد الرجل، أولهما من السيجارة والثاني من إصبعه سنرسم مثلثًا يشيح في اتجاه واضح نحو ذلك الإطار الضيق الذي يعج بوجوه متابنية المشاعر مشتركة في قناع مهرج واحد، وكأن ذلك المثلث يشيح نحو الأسباب التي دفعت ببطل العمل إلى تلك الحالة الرثة. فيبدو واضحًا أن تلك الوجوه ربما شكلت شخوصًا التقى بها في المجتمع، أو مشاعر متباينة ومتناقضة عاشها خلال حياته، أدت به إلى ذلك الجنون.

ولا يفوتنا هنا ذلك الحائط المطبوع بالقدم والقبح معًا، والذي عكس خلفية بطل العمل ومنه قد استنتجنا تلك الحياة الكادحة الخشنة التي استغرقته طوال عمره.

في المجمل نحن هنا أمام لوحة أشبه بالحلم، وهو ما حدث بالفعل مع صاحب العمل، حيث قرأ أحد الأحلام في كتاب نجيب وأعاد طرحها مرة أخرى لكن من خلال وجهة نظره الشخصية.

 

شيماء علاء وموسيقى الكلمة

تلك هي الوحيدة من المشاركين التي لا تبحث عن إجابة أو تفسير لما تعرض. فهي تقرأ وتقرأ وتقرأ، ثم تجلس في خلوتها الخاصة، ممسكة بقلم رصاص، راسمة على الورق خطوطًا وخدوشًا لا يفقهها سوى خيالها الخاص، شيماء لا تبحث عن التبريرات ولا تفسر الرموز، رغم أن لكل عمل تفسيره وتحليله، لكنها تترك تلك الوظيفة للمتذوق، يضفي برؤيته وهمومه قيمًا أخرى فوق قيم العمل، ولا شك أنه أمر ممتع. فلو دون الفنان مقاصده من العمل، يكفيه ورقة وقلم يسرد فيها آراءه في مقال تقريري، لكن الفنان اعتاد أن يتخذ لهواجسه أدوات مختلفة تتسم بالغموض والفضول والإبهار.

هنا تمضي فتاة جميلة، أشبه براقصة الباليه، جسدها منحن في ضعف واستكانة، مرتكزة بساق رشيقة على مقعد وثير، منغلقة على نفسها بيدين مضمومتين وضوء ساقط من أعلى الغرفة المظلمة.

البيئة العامة تميل لدرجات داكنة وسط ملمس خشن أشبه بغرف المساجين.

من تلك العناصر نرى أن الأمر لا يخرج من دائرة العزلة التي تفرض على المرأة، فهي جميلة، رقيقة وناعمة، لكنها أسيرة هذا الجمال، قابعة في مكان منزو أشبه بالخندق، لا تجد لها وليفًا سوى ذلك المقعد الثري، الذي مؤكد أنها لن تفعل شيئًا في ذلك المكان سوى الجلوس عليه، ما يضفي نوعًا من التناقض مع الحركة الرشيقة المعتادة لراقصة الباليه، فهي أشبه بذلك الكرسي. مجرد أنتيكة جميلة قابعة في أحد المخازن يحيطها الظلام رغم وجود النور.

ختامًا يقول بعض الفنانين المشاركين، أنهم فضلوا عدم نشر نص الأحلام التي استلهموا منها أعمالهم، حتى يعلم الجمهور أن تلك الصور ليست مشاهد تم تصويرها ونقلها مباشرة من الكتاب. لكنها مرآة شخصية لما قرؤوا، فالأدب هنا كان محطة لاشتعال الخيال واستفزازه لديهم حتى ينتجوا من همومهم الشخصية مستلهمين الحماس من ينبوع يفيض بالحكمة والفلسفة، ألا وهو ما تركه لنا الأديب العظيم، نجيب محفوظ. ويقول مصورو النادي أنهم يعتزمون على أن تكون الثيمة العامة لمعرضهم القادم عن الأساطير الفرعونية، وما تتسم به من أفكار سياسية ودينية صيغت بأدوات رفيعة القيمة والمستوى، آملين في مواصلة الانتماء نحو أرض عامرة بالفنون والآداب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد