يومًا ما سأغادر هذه المدينة، المدينة التي على أبوابها انتقلَ ضجيجُ الحرب من أرض وطني إلى أرض قلبي، حاولتُ فيها أن أسدَّ شقوقَ القلب بقماش الروح كي لا تتسرب رائحة البارود إليه وعجزت، فيها عرفت معنى أن تعيشَ في السنة فصلاً ونصف وأنت تبحث عن ظل شجرة وإن وجدت تراها تحمل على أوراقها غبار السنين ونسماتها الساخنة أصابت ساقها في قلبه بضربة شمس وتسببت باسمرارك ودوارك، فتشعر كأن الطبيعة خاصمتك لا شمسًا تستمع إلى زقزقة الصباح في حناياك ولا قمرًا يعزف سيمفونيةَ سهرك.

أوجعتني طرقاتها اليابسة شوّهت اللون الأخضر في ناظري، فهجرتها لأعيد علاقتي الودّية به ولو صورًا، بيوتها الهادئة التي لا تملك من الفتنة، ولا وجه شُرفة تعربش عليها الأغصان والضحكات، صفعتني جدرانها بكفّ الواقع آلاف الصفعات.

بحثت عن أطفالٍ وكرة يتجمهرون حولها، فتشت عن فتياتٍ يغزلون من الياسمين أطواقًا كما فعلت، فوجدت الطفولة هي الأكثر ظلمًا في أحيائها، قلّبت المدينة على وجوهها لأجدَ وردةً تحظى بالعطر الذي تعتّق داخلي منذ الصغر ولم أجد، كنتُ أحتاجها جدًا لأمزق أوراقها بشقاوةٍ كما كنت أفعل حين كانت لعبي بأوراق الورد لأسائل نفسي حين أعثر على الحب: أيحبّني؟ أم لايحبني؟ وأغرق بالفرح والورق.       لكني ما وجدت الحب ولا الورد! لا عجبَ إن افتقرت مدينةٌ في صحراء الغربة إلى كل هذا الدفء.

لكن كما يولد النور من رحم الظلام أرى شعاعَ الأمل يبرق في عيوني، أرى ذاك الغريب القادم من بعيد وربما من قريب أشفق عليك أيها السائر على دربي كم ستتعب لتصل إلي، فأنا أريد أن أعود بك إلى يوم غادرت بلادي قبل اغترابي، قبل اختناقي أريد أن أعودَ معكَ إلى مدينتي الصغيرة، أريد أن أحبكَ فيها، أمارس كل ما كنت أخشى اقترافه كُرمى للقبيلة كأن نمشطَ أرصفة الطرقات بزهر أفراحنا كما الجديلة حين كانت تزينها لي أمي بزنبقةٍ أو ياسمينة وتكتب لي على جدران مدرستي القديمة أحبكِ يا مَن تعلمتِ هنا كيف تكتبين اسمي قبل أن تعرفيني، ولكن مَن خلقكِ من ضلعي كان يعرفني وكتبني بلوحه المحفوظ منذ الخليقة ووهبني خارطة الطريق إلى قلبك، ثم أمرّ بك على بيت جدتي ولا نجدها فنسرق من حديقتها وردة ونزرعها عند شاهدة قبرها بأيدينا.

 ونعرّج على بائع حيّنا الذي استشهد ونجد بابه مغلقًا برسم الشهادة، تبكي معي أو تختلق قصة مضحكة لتغير الموضوع، بعدها أصحبك إلى بيت جارتنا وأيضا لا أثر لها سوى ستارةً مهترئة من نافذتها تلوح لنا أن لا سكان لهذا البيت! عندها لا تلمني على بكائي، فهي التي أشتاقها كل يوم عن سبعة أعوامٍ مضت، ووددتُ أن ترى فارس أحلامي يمسك بيدي فتبارك لي بحسن اختياري، وتتهجى الفرح في سطور عيوني كما كانت تتهجى عناوين محاضراتي حين كنت أسترق دقائق من وقت الدراسة لأشرب معها قهوتها التي لا تشبهها قهوة، قبالتها بيت أبي وشرفتي الجميلة أشبك أصابعك بأصابعي كي لا أطير وقبّل معي زهر الليمون وصافح الجوري ثم دعني أصالح ياسمينتي زهرة زهرة، وأطلب منها أن تسامحني بحقِّ عينيك فأنا  ماعدت وحدي عدتُ بنبضين.

 اجلسْ على كرسيي وانتظرني لأنفض غبار الذكريات عن زوايا بيتنا العتيق وأبشره بقدومنا ليستعيد أفراحه، ثم آتيك محمّلةً بقهوة حُبّنا لأشربها لأول مرة والحب يسري في عروقي بعد أن طردت سُمّ الحنين من روحي، أنا وأنت وبيت أبي هي ثلاثية الفرح التي أصلّي لأجلها كل صبح لتشرق على عينيّ وأتنفّس بكما.

أرأيت هذه مدينتي التي أضعتُ سبعًا من العمر في انتظارها كنتُ أعلم أن الوجع سكنها في غيابي، وتغيرت ملامحها كما تغيرت ملامحي لكني عدتُ لآخذ جرعةَ أكسجينٍ تعينني على سبعٍ آتياتِ وربما أكثر بكثير، أعدكَ بعدها أن أسافر معك لأمارسَ اغترابي بفرح في مدينةٍ لاتعاقِب عليه، مدينةٍ لا تحرّض الطبيعة أن تقف ضدك، تهِبك لقب مواطنٍ بكامل الحب، تقابل عملك بامتنان، مدينة صالحة للحب في أصغر بيوتها، شُرفاتها ليست من نواهي الدين، ورودها ليست من مظاهر البذخ، ياسمينها ليس حقل نفطٍ يحتاج إلى خبراء ومنقّبين، هناك فقط سأكون بخير وبحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أحلام على طريق وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد