لا داعي لكتابة أفكار عشوائية لا تتحول يومًا إلى أفعال، فهو نفس ذات الأمر عند النوم للغوص في أحلام لا تتحقق إلا في الأحلام. من يملك القدرة على الحلم فهو مبدع من الدرجة الأولى. فالبشر صنفان: صنف منهم مبدع بفطرته البسيطة فلا يستطيع أن يعيش من دون أن يحلم، وصنف آخر يستطيع أن ينام فحسب.

ولكن التساؤل الأساسي الذى يجول بخاطري، ويثير دهشتي٬ هو أنهم ﺇذا كانوا لا يحلمون فكيف يعيشون؟ ﺇذا كان الحلم بلا ثمن٬ فكيف لا يعيشونه ويستمتعون به؟ فهذا الحلم الذي يستطيع أن يمتلكه أي إنسان هو كنز ولكنهم لا يدركون قيمته.

حينما فكرت يومًا كيف لهؤلاء الناس ألا يحلموا٬ وجدت أن هناك أسبابًا كثيرة لذلك٬ فربما مثلا ليس لديهم شيئا ليحلموا به وذلك لأنهم يمتلكون كل ما يريدون٬ و لكن هذا في حد ذاته أمر غريب لأن الطموح لا ينتهي.

وربما ليس لديهم ما يحلمون به لأن ليس لديهم طموح مطلقًا، وهذا ما اكتشفته مؤخرًا٬ فكثير ممن يعيشون حولنا لا يملكون طموحًا أو على الأقل طموحاتهم متدنية ودون المستوى. لكني أعتقد أن السبب الحقيقي وراء ذلك أنهم لا يعرفون كيف يحلمون لأن خيالهم ضيق ومحدود للغاية فليس لديهم القدرة على ﺇطلاق العنان له.

الخيال نعمة أنعم الله بها على الإنسان كي يخرج من قيود سجن الواقع الذي يفرض عليه شروط ونتائج محددة ومملة. أما في  الخيال٬ يمكنك أن تفعل ما تريد دون شروط أو حتى نتائج منطقية واجبة النفاذ.

ويظن البعض أن الخيال عكس المنطق٬ وﺇنما هذا خطأ جم لأن الخيال غالبًا ما يكون مبنيًّا على منطق قوي وفكر متعمق٬ ولكن كل ما في الأمر أنك في هذا الخيال تهدم الحواجز التي تعوق تحقيقه٬ وﺇن شئنا فلنقل أنك تحلم بالحلم ذاته دون تفكير في معوقاته التي سئمتها في حياتك.

الأمر يشبه كثيرًا ما فعله عباس بن فرناس حينما نظر إلى السماء وتخيل أنه عصفور يطير ويحلق عاليًا٬ حينها كان بن فرناس يتخيل ويحلم، ومن المؤكد أن حلمه في ذلك الوقت كان جنونًا بالنسبة لكثير من الناس، وها هنا نحن الآن نستطيع الطيران بالطائرة. فقد كان حلم بن فرناس مجرد رغبة وخيال ولكنه استطاع تحقيقه لأنه شخص مبدع لديه القدرة على الحلم والخيال.

البعض يظن أن القدرة على الحلم هو هروب من الواقع وأن هذا الحلم هو مجرد خيال يستمتع الإنسان به في عقله وقلبه، ولكن الحقيقة أن متعة هذا الحلم تكمن في ﺇمكانية تحقيقه.

لذلك أتعجب كثيرًا من هؤلاء الذين يذهبون إلى فراش النوم وينامون سريعًا دون أن يتمتعوا بالتفكير والخيال. كيف ينامون من دون أن يحلموا؟ فمشكلتي الكبيرة دائما هي عدم القدرة على النوم حتى وأنا في أشد حالات التعب حيث أغوص في تفكيري وخيالاتي التي لا تنتهي والتي قد تمتد إلى ساعات طويلة.

الخيال لا حدود له ولا نهاية له، وأعتقد أن الخيال والحلم هما أفضل ما يملكه الانسان٬ والأهم أنه لا يمكن لأحد أن يسرق هذا من أحد، لا أحد يستطيع أن يتحكم بعقل أحد. فلا يستطيع كائن مهما كان أن يجبرك على أن تتخيل ما يريد أو أن تحلم بما يريد أو حتى أن تفكر مثلما يريد. لا يمكن أن يحدث ذلك إلا باختيارك، ولكنك ﺇذا لم تستطع أن ترسم أحلامك، فسوف يأتي أحد يرسمها لك وعليك أن تتقبلها كما رسمها وذلك ببساطة لأنك قد تخليت عن حقك في رسمها.

فالمسألة ليست مجرد تفكير عشوائي غير منظم يعيش فيه الإنسان بعيدًا عن مآسي الحياة، ﺇنما المسألة أرقى من ذلك بكثير. فالخيال تفكير عميق، وأظنه أعمق حتى من البحار والمحيطات، والدليل على ذلك أنك لو جربت أن تتخيل حلمًا ما بتركيز قوي وبرغبة حقيقية سوف تشعر أنك تحيا ذلك فعلا وليس خيالًا٬ حيث ينادي عليك الناس ولن تسمع نداءهم، وسوف ترتفع من حولك الضوضاء وأنت لا تعبأ ولا تهتم٬ ذلك لأن ما أنت فيه هو عالم آخر قد رسمته أنت بفرشاه أحلامك واستطعت أن تقنع نفسك أنه حقيقة وليس حلمًا٬ وحتى وإن كان حلمًا٬ فما المشكلة من أن تعيش الحلم بصفة وهمية خيالية فتشعر بجماله ولذته٬ فيكون هذا دافعًا لك للاجتهاد والعمل لتحقيقه في الواقع؟!

الميزة الأساسية لخيال الإنسان أنه حقا بلا قيود، حيث يمكنك أن تكون في أي مكان وتفعل أي شيء. تستطيع مثلا أن تتخيل أنك أكبر رئيس لأكبر دولة في العالم أو أنك أحرف لاعب اسكواش أو أنك تتزوج الأميرة ديانا وربما أجمل منها. أنتِ أيضا يمكنك أن تتخيلي أنك أجمل راقصة باليه في العالم أو أنك أفضل جراحة … وهكذا.

هكذا خيالات كثيرة بلا قيود أو أغلال، لذلك يقول البعض أن الخيال أداة للتنفيس عن الإنسان خاصة في ظل ظروف الحياة الصعبة. ولكن أود أن نلاحظ أن الخيال ليس دائمًا ما يكون ﺇيجابيا ولكنه يمكن أن يكون سلبيا ومدمرًا. مثل هذا الذي يتخيل نفسه يدمر العالم بصراعات وحروب، أو ذاك الذي يتخيل نفسه يسرق أموالا ليست من حقه فيصبح مليونيرًا كبيرًا … وهكذا.

لكني مازلت أشعر كثيرًا بالحزن حيال هؤلاء الذين ليست لديهم القدرة على الخيال أو الحلم، هم حقًّا مساكين لأنهم لا يعرفون كيف يحلمون. فكرت كثيرًا هل من المنطقي أن هؤلاء لا يحلمون، فوجدت نفسي أقول لا٬ لا يمكن ذلك مطلقًا، بالطبع هم يحلمون ولكنهم يحلمون فقط وهم نائمون. فهنيئا لهم بأحلام النيام٬ وهنيئا لنا بأحلام القيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد