كنت أتابع أحد الأخبار الأجنبية منذ  عدة أيام، ثم ألهمني الله تعالى لحظة تدبر، وطال الأمر إلى أن وصل لمفارقة بسيطة عن ذاك الذي يأبى أن يستمتع بأيامه متحججًا بالرطوبة العالية، ومن يتأفف لأنه لم يسافر الساحل الشمالي كغيره في الصيف، ومن دار بينهما شجارًا فأودى أحدهما بحياة الآخر من أجل مصروفات بيت الزوجية أو تركيب مكيف هواء بقوة ثلاثة أحصنة بدلًا من حصان ونصف.

متناسين تمامًا أنه على الطرف الآخر من العالم يحدث حاليًا فيضان في الصين ومثله في ألمانيا وأشد منهما في تركيا، يتزامن مع ذلك بركان إيطاليا وحرائق الجزائر واليونان وغير ذلك الكثير.

حصل الفيضان بسبب الأمطار الشديدة في فصل الصيف، فماذا لو حدث في الشتاء؟ وأرجو عندما ترى اسم الصين في القائمة السابقة ألا تدر وجهك عنا وتفوت على نفسك مشاركتنا الخبر، لأن الواجب يحتم علينا أن نتعلم من كل خطأ قدر المستطاع بعيدًا عن التحيُّز.

الدنيا في تلك البلدان أصبحت رأسًا على عقب بكل ما للكلمة من توصيف.. من إرسال مساعدات وفرق طبية بين العسكرية والمدنية منها, بحانب الطوارئ ووحدات الإطفاء وخبراء البنية التحتية وكل متخصص في مجاله. هي الدنيا نفسها التي نعيش فيها لكن بأحزان ومواقف مختلفة، يزيد على ذلك أن أمورهم العادية أصبحت كوارث, صار فيها كل إنسان يهرب من المياه وآخرون في مصر يتمنون لو يذهبون إليها كمصيف.

الموقف صعب لا شك في ذلك, لكن الوقوف عليه دون تدبر أو أخذ العظة أصعب بكثير، أن نرى المأساة ونسترسل في التفكير فيها سنكتشف أن الإنسان وبرغم كل ما أوتي ضعيف، وأن هناك سلاحًا فتّاكًا من الممكن أن يتم استخدامه عما قريب في تدمير الكُل، ذاك السلاح رغم بساطته وسهولة تحصل كلٍّ منَّا عليه، فإنه في الوقت نفسه له قُدرة رهيبة على التدمير والإهلاك, قوة لا تُبقي ولا تذر!

السلاح العجيب هو المياه ذاك

والكلام هنا لا يشمل سد النهضة ولايتحدث عن تلك المسألة السياسية بأي قدر، إنما هو عن الماء كنِعمة بشكل عام، والمتابع للسطور القادمة يستطيع أن يقف على المراد بإذن الله.

تخيل لو أن دولة أو أمة بعينها مهما كانت عظمتها ونفوذها وسيطرتها وسطوتها واقتصادها وعتادها، أموالها ومركزها وقدراتها الدولية وقنوات رصدها وتليسكوباتها وعلماء الفضاء لديها وشعبها الذي لا مثيل له، تعجز بكل تلك العظمة عن التنبؤ بفيضان أو تمنعه أو حتى أن تقف في مواجهته لو قدر له الله تعالى أن يبدأ.

وإن كان بإمكان الأمطار الشديدة أن تفعل كل ذلك فما بالنا بفيضان رهيب لا يُعرف حجمه ولا قوة تدميره في بلد آخر بقدراته الأقل بكثير من كل ما سبق ذكره!! لا شك أن كل ما يمكن أن يفعله أحدهم حينها هو أن ينتظر انتهاء الفيضان ومن ثم يفكر كيف له أن يصلح ما أفسد لو استطاع.

تأتي قوة الماء من قوله تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي».. فمن يقدر على التحكم بشيء هو سبب في الحياة يستطع أن يتحكم في ضدها.

وقبل أن نبدأ الكلام عن قدرات الماء، فعلينا أن ننتبه أنه لو أعملنا هذا الكلام كمقياس على الرياح مثلًا فسنكتشف أن الرياح هي الأخرى سلاح فتاك، لكن الفرق يكمن في أن الرياح تحتاج لنفقات أكبر بكثير كي نستخدمها وتسخر لنا، ولا أعتقد أبدًا أن الرياح ستُسخر للإنسان بشكل كامل مهما حدث، لأن طلب سيدنا سليمان عليه السلام قد كان بأن قال:«ربِ هَب لي مُلكًا لا يَنبغي لأحدٍ من بعدي».. وقد كانت الرياح له حصريًّا جند مسخر بين يديه «غدُوُها شهر ورواحُها شهر».

لكن المياه وبأقل الإمكانات يمكن أن نقطع بها الفولاذ بعد تحديد قوة ضغطها بأجهزة بسيطة، ويمكننا أن نكتشف هذا بسهولة في خرطوم المياة الذي نستخدمه في تنظيف السيارات أو نروي به النباتات، وكلما زادت قوة المياة كلما زادت قدرتها على القطع.

الصوت هو الآخر بدوره سلاح رهيب، لكن التحكم به مكلف, ورغم ذلك فإنه يعد ثاني أخطر سلاح في العالم لأنه غير منظور، وهذا موضوع آخر من الموضوعات الشائكة التي تتشعب أركانها, لكنك لو من متابعي فيديوهات الجاسوس الأمريكي التائب لتوصلت لبعض الإجابات عنه.

الضوء أيضًا لا غنى عنه كسلاح ليزر مرعب, لكن بجانب التكلفة العالية جدًا فندرته هي ما تحدد حيز استخدامه.

أما المياه فهي بين أيدينا جميعًا: لو شربناها بالإجبار بكميات كبيرة فلن نقوى على التنفس، ولو غصنا فيها لعمق بسيط نتعرض للغرق ونصارع الموت, ولو غصنا فيها لأعماق كبيرة تهتك بالأجهزة الداخلية كالرئة والكبد وتحدث انفجارات للأوعية الدموية مهما حاول الإنسان أن يمنع هذا، ولكل جسم ومركبة عُمق معين لا يمكنها تجاوزه مهما كانت صلابتها، ولو مُنعت عننا بالكُلية نموت.

إن كانت ساخنة جدًا أو باردة جدًا فلا نقوى على شربها أو استخدامها.

لأن الله تعالى قد أوضح في الأربع آيات التي حاج بها الناس في سورة الواقعة: بعد المَني والزرع وقبل النار: «أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المُزنِ أم نحن المُنزلون». فهذا الموضوع يحتاج لتدبر لا شك في ذلك.

ولو عدنا بالزمن قليلًا كي نقف على قدرة الماء ونتفكر في حال أهل الأرض لما أراد الله تعالى أن يُهلك من عليها إهلاكًا تامًا بعد دعاء سيدنا نوح، كان الجندي الذي اختاره وأرسله هو المياه.

الماء لو استمر في التقطير لفترات طويلة في نفس المكان فبإمكانه تغير ملامح ذاك المكان وترك أثر بارز فيه.

إن اكتشفه أحد سكان البادية في بئر أو ما شابه فهو في نظره كأنه أصاب مال قارون ويشكر الله عليه نِعمه. أما لو وجده أحد سكان المدن أسفل بيته بكميات كبيرة فهو بالنسبة له أكبر نقمة، وهنا مربط الفرس: لأنه جمع بين الضدين مع اختلاف المكان.

الإنبات الذي هو سبب في خروج طعام كل طير وإنسان وحيوان لابد له من الماء وبنسب معينة، وبدون الماء لا إنبات وبلا طعام لا حياة وهنا تتلخص كل القصة.

الماء هو الشيء الذي بإمكاننا أن نحفظ فيه أي شيء لآلاف وملايين السنين في صورته الباردة أو الجامدة.

تنزل فيه وأنت على دراية بالسباحة بثقة المتمكن يكافأك بكرباج ماء ينسيك كم عمرك؟ ومتعة الخروج. أويحتضنك فتستمتع وترى عالمًا آخر، لا تقترب منه لأنك لا تعرف السباحة فتراقبه من بعيد, ينادي عليك كجنية حانية تلعب بضفائرها, وكأن البحر يتحدث إليك ويدعوك للاقتراب.

هادئ ونعمة في السكون، وقمة الدوشة والهيجان في الغضب.

في الصيف لا تقوى على البعد عنه، وفي الشتاء هو أكره شيء لمعظم الناس.

تغسل به ملابسك ثم تجففها في الشمس فيصبح هو أبعد ما تتمنى.

تقدر على تشيكله بكميات صغيرة، لكن بكميات كبيرة لن تقوى على السيطرة عليه.

وفوق كل هذا لا يملك مدة صلاحية، أما تاريخ الصلاحية الموجود على عبوات المياه فهو لأن الماء إن استمر وجوده في العبوات لفترات طويلة، فمن الممكن أن يحدث ترشيح للبلاستيك فيتغير طعم الماء، فالخوف حينها يكون من البلاستيك لا من الماء.

يملأ ثلثي الأرض وأكثر ونتحارب عليه، يتكون منه ثلثا الجسد ويمكنه إهلاكنا.

وطريقة تركيب الماء هي العجب بذاته، فهو يتركب من مادتين إحداهما تحترق والأخرى تساعد على الاختراق، ورغم ذلك تطفئ به النار في معظم الأحيان ولا يخفى على أحد حاجة الناس له.

كما أن الماء يخالف قوانين السوائل في طريقة التجمد. فالسوائل كلها عندما تتجمد تزداد كثافتها ويقل حجمها ويثقل وزنها، أما الماء فيكبر حجمه وتزداد كثافته ويخف وزنه. ذلك لأنه لو أتيح للماء أن يتبع قوانين السوائل لتجمدت المحيطات والأنهار والبحار ولما استطاعت حرارة الشمس أو الجو تفكيكه. لكن ما يحدث هو أن الجليد يطفو ويكون طبقة علوية تمنع الماء في الأسفل من التجمد وتحفظ عليه دفأه.. فمن الذي قدَّر كل ذلك وسخره إلا الله تعالى.

تدبروا في الماء فوالله إنه لآية ومعجزة تقشعر لوجودها الأبدان، وسلاح نسأل الله السلامة منه، ونعمة تستحق وتوجب السجود لله شكرًا على وجودهاها.. أفلا تشكرون؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد