تركيا التي حظرت أمريكا تصديرَ هذا النوع من التكنولوجيا إليها أمدًا طويلًا استطاعت صناعة نسختها الخاصة والفعالة، لتتحول من مستهلكٍ للسلاح الأعتى إلى مُنتج ومصدر له، فكيف استطاعت تركيا أن تنافس عالميًّا في صناعة الدرونز المقاتلة؟ 

في عام 1996 قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا، سجَّل التاريخ أوَّل هجومٍ لطائرة بدونِ طيَّار أمريكية الصُنع في أفغانستان، كانت تلك اللحطة بداية هيمنة الدرونز الأمريكية على سماوات العالم، تلك الهيمنة التي ستنتهي مع وصول دولة أخرى إلى هذه التقنية في عام 2015، وعلى رأسها تركيا.

مُحرَّمٌ علينا استيرادُهُ لـِنصنعهُ إذًا!

الطائرات بدون طيَّار «الدرونز » سلاحٌ فعال استراتيجيًّا وغير مُكْلِفٍ ماديًّا، من يصنعه يُمكنك وصفه بالدولة الخطيرة، لكن كيف أصبحت تركيا خطيرة؟  

في الحقيقة هذا الأمر استغرق كثيرًا من الوقت والاستفزازات،
كانت بدايات تلك القصة عام 1975، عندما فرضت أمريكا حظرًا وعقوبات على تركيا ومنعتها من شراء تلك الطائرات، بعد إرسالها لجنودها الأتراك في شمال قبرص، وخلال هذا التوتر الذي كان قائمًا بين تركيا وأمريكا، غيَّرت تركيا طريقة تفكيرها في استيراد السلاح من الغرب، وبدأت تركيا تتّجه نحو صناعاتها المحلية، من خلال تأسيس العديد من الشركات الصناعية الدفاعية، ركَّز معظمها على إنتاج الذخائر والأسلحة الصغيرة، في حين عمل بعضها مثل الشركة التركية لِصناعات الفضاء «Turkish Aerospace Industries» على صناعات ثقيلة كالصَّواريخ الموجَّهة، والطائرات، وكانت الدرونز أحد اهتمامات تركيا التي كانت سابقًا لا تستطيع صناعتها فَقامت باستيرادِها، اشترت تركيا ست طائرات من طراز «GNAT 750» 

لِغرض الاستطلاع والمُراقبة ونقل المعلومات فقط، في تسعينيات القرن الماضي لجأ الأتراك للكيان الصهيوني «إسرائيل» من أجل الحصول على طائرات بدون طيّار مُسلَّحة، من طراز هيرون، وجاءتها الدفعة الأولى بعد خمس سنوات، وبمحركات وأنظمة تصوير عن بُعد جرى تخريبُها!

من خلال الكيان الصهيوني كما قالت تركيا ذلك، وقامت بإعادة الطائرات إليها للصيانة التي استغرقت سنوات عديدة، كان تشغيل تلك الطائرات يجري عبر فنّيين صهيونيين حصرًا، ما أصاب ذلك الأمر الأتراك بالقلق، بسبب الصور المُلتقطة التي ستصل طريقها أولًا لاستخبارات لكيان الصهيوني.

مُناقصة تصنيع الطائرات

في عام 2004 طرحت القوات المُسلحة التركية «الجيش التركي» مُناقصة حكومية لتصميم وتطوير طائرة بدون طيّار، متوسطة الارتفاع وعالية التحمُّل، التي فازت بها الشركة التركية لِصناعات الفضاء «تاي»، وجاءت أولى البشائر بإعلان إنتاج طائرة «العنقاء» التي قيل إنَّها قادرة على الطيران بارتفاع يصل إلى 30 ألف قدم، لمدّة تصل إلى 24 ساعة، لكنها بعد أوَّل رحلة طيران تحطَّمت بعد 10 دقائق، فشل في التحليق ورافقه صعوبات في استيراد المُحرِّكات وقطع الغيار، من شركة ألمانية وصينية، كل هذا دفع تركيا لإطلاق برنامج لتصنيع المُحرِّكات بأيدٍ تركية، وفي نهاية عام 2011 حلَّقت «العنقاء» بنجاح، ودخلت القوات الجوِّية التركية عام 2013، لكنها لم تُحقِّق طموحَ تركيا، فهي درونز غير مُسلَّحة ويقتصر دورها فقط على المُراقبة، أمَّا الهجوم فيتطلَّب طائرةً نفَّاثة.

الجيل الثاني من الطائرات حلَّق وحيدًا 

لم تسمح أمريكا لحليفتها تركيا بيعها طائرات «بريداتور» بسبب علاقاتها المتوترة مع الاحتلال الصهيوني، لذلك قررت تركيا الوضع على رأس أولوياتها بدءًا من عام 2015  إنتاج طائرة بدون طيَّار مُسلَّحة محلِّية الصنع.

في عام 2005 شاب تركي اسمه «سلجوق بيرقدار» عمره 26 عامًا، نجح بإقناعه مسؤولين أتراك بحضور عرضٍ صغير، لطائرة بدون طيَّار محلِّية الصنع كان يعمل عليها بنفسه، وفي عام 2007 عمل سلجوق في شركة عائلته Baykar Savunma لإنتاج 19 طائرة بدون طيار لصالح الجيش، وفي عام 2015 عرض طائرته الجديدة بيرقدار تي بي 2 التي نجحت في إصابة هدف على بُعدِ 8 كيلومترات باستخدام صاروخ موَّجه تركي الصنع، أثناء تحليقها على ارتفاع أربعة كيلومترات.

وفي العام نفسه أصبح المُهندس سلجوق بيرقدار صهر الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان – حفظه الله – بزواجه من ابنته سُمية أردوغان.

طائرات بيرقدار الجديدة TB2

أصبحت طائرات بيرقدار الجديدة العمود الفقري للجيش التركي بفضل قدراتها التّقنية المرتفعة نسبيًّا، فهي تستطيع التحليق على ارتفاع سبعة كيلومترات، لمدة تصل إلى 24 ساعة، مع قدرة على حمل 55 كجم، وبحلول شهر يونيو (حزيران) عام 2019، كانت قد حقّقت رقمًا قياسيًّا بواقع 100 ألف ساعة طيران خلال أقل من أربع سنوات، ومع نجاحها في العمليات العسكرية في سوريا والعراق ضد التنظيمات الكردية الإرهابية المُسلَّحة، قررت تركيا توسيع نطاق استخدامها على طول سواحل بحري إيجة والمتوسِّط، وهو ماتسبب باحتكاكات متتالية مع قبرص واليونان.

ليس هذا فحسب، بل قدَّمت تركيا إلى حليفتها في ليبيا «حكومة الوفاق الوطني» 12 طائرة من طراز  «بيرقدار 2»؛ لدعم الحكومة الليبية ضد الانقلابي حفتر وميليشياته في مدينة طرابلس، وذلك وقَّعت أنقرة صفقة مع أوكرانيا لتصديرها 12 طائرة من هذا النوع.

وكذلك مع دولة قطر

في عام 2017  كان إنتاج تركيا لهذه الطائرات عدده 32 طائرة، وفي عام 2019 وصل إلى 94 طائرة، ونما حجم أسطول طائرات العنقاء إلى 30 طائرة على الأقل، كل هذه القوة ستكون ركيزة أساسية للجيش التركي والقوَّات الجوِّية، والدرك والبحرية، والاستخبارات، وقوى الشرطة.

الجيل الثالث من الطائرات حلَّق بصواريخ وقنابل ذكيَّة

في 2019 حقَّق التطور التركي في صناعة هذه الطائرات تطوُّرًا ملحوظًا،فقد كسرت طائرات «العنقاء» و«بيرقدار» سجلات التحمُّل الخاصة بهما وطارتا لأكثر من 24 ساعة، لكنَّ الطائرتين ليستا أكثر من لُعبتين مُقارنةً بالجيل الجديد.

تُعدُّ الطائرة «بيرقدار آكينجي» أبرز الأسماء في الجيل الثالث من هذه الطائرات، شكلًا وأداءً ، فيبلغ طولها 20 مترًا من الجناح للجناح، وبهذا الطول تستطيع التحليق لأكثر من 15 كيلومترًا، بحمولة تترواح من 450 كجم، إلى 900 كجم!

أي إنّها قادرة على حمل وإطلاق صواريخ كروز طويلة المدى والقنابل الموجَّهة بمدى إصابة يبلغ 600 كيلومتر، وتمتلك هذه الطائرة أنظمة رادارٍ متطوِّرة وأنظمة اتصال فضائي، ونُظُمًا خاصّة بالحروب الإلكترونية، وتهدف الحكومة التركية خلال سنتين حتّى عام 2022 إلى إنتاج 36 طائرةً من هذا الطراز – بإذن الله -.

وتُقدّم في سبيل ذلك الكثير من التسهيلات، للشركات المُصنّعة، مثل المنح المالية والإعفاء من الضرائب، ومن المُرجح أن هذه الطائرات ستكون محلَّ الطائرات الأمريكية F-16 في العمليات التركية ضدَّ حزب العمال الكردستاني الإرهابي.

وفضلًا عن كونها ستوفِّر إمكانيَّة مُراقبة جوية منخفضة التكاليف والمخاطر، في مناطق بحر إيجة وشرق المتوسط.

العنقاء آكسونجور

ومع طائرة آكينجي توجد العنقاء آكسونجور التي تعمل بُمحركين اثنين، وقادرة على نقل حمولة بوزن 700 كيلوجرام، وتقوم بعمليات الاستطلاع والمُراقبة والهجوم.

لماذا كُلُّ هذا السلاح؟

تركيا تمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو، وهي واحدة من ستّ دول في العالم لديها القُدرة على تصنيع هذا النوع من الطائرات مُسلّحة، مُزودة بأنظمة إلكترونية متطورة وقنابل ذكية، لكنّ برنامجها الخاص بأنظمة طائراتها لا يسير وحيدًا، فالبلاد ومنذ عقود تؤسس لصناعات دفاعات محلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسلحة، وتُنتج المركبات والمُدرّعات والسُفن البحرية، وطائرات الهيليكوبتر، والأقمار الصناعية، وكذلك لديها طموح لبناء أول حاملة سفن بحرية تركية الصنع عبر شركة «Sedef Shipyard» صدف لبناء السفن، وتمكَّنت شركة أوتوكار من صناعة دبّابة ألتاي، التي اكتسبت سُمعة جيِّدة في الأعوام الأخيرة، أمَّا شركة أسلسان في مجال صناعات الدفاعات الإلكترونية فهي فعلًا تقوم بتصدير منتجاتها لأكثر من 60 دولة حول العالم.

ما الهدف من صناعة تركيا للأسلحة الملحيّة؟

لتركيا أهداف سياسية واقتصادية من صناعةسلاحها بنفسها؛ فهي ستُخفف من قيمة فاتورتها الشرائية من أمريكا والغرب، هذا أولًا.

ولن يكون قرارها السياسي مرهونًا بصفقة أسلحة هُنا أو هُناك، كما حدث معها طوال السنوات الماضية، مع ألمانيا وأمريكا، وفوق كل هذا ستتمكن من تصدير سلاحها لِدول العالم، وكذلك تحقِّق نموًّا اقتصاديًّا من وراء بيع الأسلحة.

صادرات تركيا حاليًا لم تتجاوز 3% من صادرات الأسلحة العالمية، رقم قليل قياسيًّا، لكن بمُقارنته بعام 2016 ستجد أنه تضاعف مرَّتين، فتركيا إذًا بدأت تُحلِّقُ بسرعة في ميدان القوة وبدأت تبرز قوتها في طائرات الدرونز، السلاح الذي يُعوِّل عليه الجميع في حروب المُستقبل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا, طائرات

المصادر

تحميل المزيد