كل حاكم يرغب في إسقاط المعارض الذي يسبب له ولسياساته الإرباك ولا يسمح له بتنزيلها على الأرض، لأنها لا تتماشى مع السياق أو الطموح العام للشعب، أو في أحيان أخرى لأنه يعمل لصالح أجندات خارجية مقابل ثمن. يظل عقل الحاكم منشغلًا بالمعارض الذي يتعبه ويفشل تحركاته، إنه يشغل جزءًا كبيرا من تفكيره الذي ما ندر يوظفه لصالح شعبه. الحاكم ينتظر الفرصة للانقضاض على الفريسة المعارضة. لم يعد يغتالها أو يسجنها، لأن هذا أسلوب قديم رغم أن بعض الدول ما زالت تستخدمه داخل سفاراتها. بل يفضح المعارض وينشر عنه الشائعات، ويلصق به فضائح جنسية مرعبة، ويتابعه قضائيا ويشهر به في وسائل الإعلام حتى يرفضه الشعب، ويبحث عن بديل له لأنه لم يعد ملتزمًا أخلاقيًا وثابتًا على الوعود التي دوما ما كان ينادي بها.

المعارضة تعيق الحاكم من الاستبداد ومن بسط يده على العباد. تفشل مخططاته عن طريق الترافع داخل مؤسسات الدولة وحتى خارجها كما يجري مثلًا في فنزويلا وبالتظاهر والتدوين والتنوير الفكري والسياسي. المعارض ليس بالضرورة ذلك السياسي الذي يرفع صوته ويترافع بقوة أمام الكاميرات وأنظار المشاهدين، بل كذلك من يفتح أعين الشعب بقوة القلم ويشجيع على القراءة كما في كوبا القرن 18. حين كان من يجيد القراءة يقرأ بصوت مرتفع على العمال العاملين في مصانع السيكار إلى أن صدر مرسوم من عند الحاكم يمنع من خلاله القراءة على العمال. هذا هو المثقف حامل هم الشعب والذي لا يتوانى في الإفصاح عن رأيه مهما كان مخالفا للحاكم. انه المنظر الذي على هداه تقتفي الأمة أثر الفلاح.

يظن البعض أن المعارض الذي يغير وجهة نظره لاحقًا، ويصبح مواليًا للنظام بأنه تنكر لماضيه وأيديولوجيته ومعتقده الفكري، بل ينعتونه بنعوت تثبت أنه تخلى فعليًا عن تياره من اجل الكراسي. بينما هو ليس كذلك، فالمعارض في الثقافة والمدرسة الإنجليزية يمكن له أن يغير توجهاته في لمح البصر، ويؤيد النظام في حالة ما كان حاملًا لمشروع كبير في مجال أو قطاع ما. بينما هناك مدرسة أخرى وهي الفرنسية، التي تتشبث وبقوة بفكرة المعارضة الأبدية. أي أن المعارض يظل معارضا حتى لو كان الحاكم أو الحكومة أو الحزب يحمل مشروعًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا أو سياسيًا كبيرًا. على المعارض أن يقف بالمرصاد لهذا الحاكم دومًا ويظل يعارضه في كل لحظة.

إن المعارض يشكل خطرًا حقيقيا على المشاريع. صوته قد يهدم سياسة الحاكم، وقد يسحب منه سلطاته، و يوقظ الشعوب من سباتها ويخرجها للثورة على الحاكم ونظام حكمه، ويحاسبه على ما قام به وما لم يقم به. لهذا يسعى الحاكم للإيقاع به، موظفًا تقنيات قضائية وقانونية كما حدث للناشطة والمحامية الأمريكية لين ستوارت أيام حكم جورج بوش الابن، حين أوقع بها المدعي العام جون أشكروفت في قضية مساعدة الشيخ عمر عبد الرحمن على تمرير رسائل إلى منظمات إرهابية من داخل السجن. أسقطت المحكمة هذه التهم عن ستوارت، ليعيد أشكروفت محاولاته ويوقعها مجددًا في فخ إعادة صياغة صك الاتهام لتتابع بذلك في المحاكم ثانية.

المفارقة هي أن الدول السائرة في طريق الديمقراطية قضاؤها مخترق ويسهل التلاعب به وبنتائجه، بينما في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية فالقضاء محمي ومفصول عن باقي السلط، لهذا ستوارت لم تعان الكثير في المحاكم. بيد أنه في دول ديكتاتورية وسلطوية، فالمعارض مثواه السجن؛ لأن القضاء في خدمة السلطة، والحكم جاهز حتى قبل انطلاق المحاكمة.

بعد وفاة الممثلة المصرية سعاد حسني نشرت صحف مصرية أن سبب قتلها، حسب هذه الصحف، قد يعود لأنها كانت على وشك إفشاء أسرار تهم المخابرات المصرية، التي كانت تعتمد عليها في الإيقاع ببعض الشخصيات داخل مصر وخارجها. تسجيل مقاطع فيديو لشخصية معارضة مع ممثلة أو فنانة في فراش النوم، كفيلة بأن تهدده مدى العمر إن هو لم يكف عن إزعاجاته المتكررة للنظام. وكم يسهل شراء صمت المعارض في هذه الحالة.

يروي كتاب sexus economicus عن نساء يستعملن أجسادهن للإيقاع برؤوس كبيرة عالمية. يتدخل جسد المرأة للحسم في شؤون سياسية واقتصادية عالمية. شبكات دعارة عالمية توفر للرؤساء فتيات مثيرات صغيرات بأثمنة محددة سلفا. تكلم الكتاب عن فضائح جنسية لرئيس الغابون عمر بانغو مثلا، وعن الوسيطة الفرنسية المشهورة مدام كلود، التي تعاملت مع عدة حكام. وليس مستبعدًا أن تكون قد لعبت مثل مؤسسة مدام كلود دورًا في إسقاط معارضين عبر عرض فتيات جميلات لهم أثناء أسفارهم، وتوريطهم في قضايا أخلاقية عن طريق تسجيل مقاطع فيديو بها لقطات ساخنة قد تهدم سنين من العمل السياسي الجاد.

إسقاط المعارض يعني ضمان تحكم الحاكم في اكبر قدر ممكن من المواطنين. بذلك يحكم كما يشاء وبالسياسة التي يرغب بها دون حسيب أو رقيب ودون صوت معارض يفند أطروحته ويدحضها، نفس القصة تجري في دولة مصر على يد عبد الفتاح السيسي الذي وأد المعارضة ولم تعد لها القدرة لرفض سياسات الدولة ونقدها ما عدا مباركتها من داخل البرلمان والحكومة وحتى الشارع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد