من المستحيلات السبع أن يسقط النظام الجزائري، فحتى الآن كل الأمور تسير وفق مسار دستوري وقانوني، وهو ما طلبه الحراك في جمعاته الأولى، وضمنته قيادة الأركان، لكن تغيير سقف المطالب من جمعة إلى جمعة، أربك الطبقة السياسية والعسكرية، لكون أن أي جهة لا تريد الدوس على بنود الدستور وتتحمل مسؤولية العواقب داخليًّا وخارجيًّا، وعليه فإن رحيل الباءات الثلاثة أو الأربعة، لا يحل المشكل، بل سوف تظهر شخصيات أخرى بحروف وأسماء يرفضها الشعب مرة أخرى، كون أن هذا الأخير لا يثق في أي وجوه سياسية أو حزبية، كما أن كل كوادر المؤسسات والهيئات هي جسد هذا النظام المنبثق من رحم الحزب الحاكم الذي يحكم منذ تأسيس الجمهورية الأولى بعد الاستقلال، وبالرغم من الضمانات والوعود المقدمة من أجل إجراء انتخابات نزيهة وشفافة، وحتى لو سطع اسم جديد في السلطة، فإن سياسة الحكم لا تتغير، فكما يقول المثل: «الحاج موسى، موسى الحاج».

إن التغيير المنشود هو وليد شعارات عنفوانية وحماسية، غابت عنها الاستراتيجية والتخطيط لما سيحدث، الكل يتحدث عن جمالية هذا الحراك بدون تأطير رسمي، سواء كان حزبيًّا أم جمعويًّا، ولكن في الواقع قد يؤثر في وحدة الأفكار، فمنهم من يطالب بحقوقي لتمثيله، ومنهم من يؤيد خبيرًا أو أستاذًا، وآخرون يرفضون أي تمثيل، إذ إن هذا التشتت في اختيار شخصية قادرة على مواجهة السلطة، قد يفشل مسعى التغيير، خصوصًا مع تعنت القوى الدستورية وقوى يقال عنها غير دستورية، ولهذا ومن هذا المنطق نقول بأن الجزائر تعرف أسوأ فترة سياسية في تاريخها الحديث، فلا الحكومة استقالت، ولا الجيش انقلب، ولا الشعب رضي باستقالة الرئيس، ولا رئيس مجلس الأمة المعين رئيسًا مؤقتًا للدولة تنحى، ولا الأحزاب المعارضة وجدت الحل.

إن المتابع لتحليلات الخبراء والسياسيين في البلاتوهات للبحث عن حل توافقي يجمع ما هو دستوري وسياسي، يجد بأن المشكل لا يكمن في رحيل بعض الأشخاص غير المرغوبة، وإنما هو مدى صلابة ومرونة هذا الدستور الملغم بمواد تحمي هذا النظام في كل الأحوال، مع آمال وتطلعات الشارع، الكل أصبح يعرف ويفتي في مواد الدستور، ولكن لِمَ لم تطرح تساؤلات وتفتح نقاشات من قبل حول ما وراء التعديلات المصاحبة له وما غايتها؟

استمرار الحكومة غير المقبولة من الجميع في نشاطها، وتولي رئيس الدولة المؤقت السيد عبد القادر بن صالح غير المرغوب فيه أيضًا بإصدار المراسيم والتعليمات للتحضير للانتخابات، يؤكد أن السلطة تسير وفق عمل ممنهج ومنسجم مع أطروحات الجيش للخروج من هذا الوضع بأخف الأضرار، ولتحقيق أهداف معينة، فالسلطة باقية شئنا أم أبينا مهما طالت الجمعات والوقفات والاحتجاجات والإضرابات، ومهما فتحت التحقيقات في ملفات ثقيلة مشبوهة بالفساد من جديد، ومهما ستفرزه الانتخابات المنتظرة.

 نقول بأن تحررنا من الاستعمار الفرنسي منذ 57 سنة، تحررنا عسكريًّا نعم، لكن في الواقع ما زالنا في تبعية سياسية، واقتصادية، وثقافية، واجتماعية مع فرنسا، فما دامت الأفكار الفرنسية تهيمن على أصحاب القرار في الجزائر، فهذا يعني أن التغيير يجب أن يمس جميع الطبقات، والمجالات، والقطاعات، ولكن يتطلب الأمر أكثر من عقد أو عقدين، وليس كما يتصور الشارع الجزائري في ظرف شهر أو شهرين، فعبارة «يتنحاو قاع» تعكس ذلك من زاوية أخرى، وليس فقط لأشخاص موضوعين بمرسوم أو قرار.

صحيح أن هذه الأزمة أفرزت وعيًا سياسيًّا لدى العامة، خصوصًا لدى الشباب بما فيهم الطلبة، لكن صاحب هذا النمط من التفكير وعي ثقافي، وأخلاقي، وديني، فحتمًا سيتم التغيير، وإن كان من المستحيلات السبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد