بعد تصريحات رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، التي كشف فيها مصادر دخول المخدرات إلى العراق، فاتحًا الباب على مصراعيه لكثير من التساؤلات عن الأسباب التي دفعت رئاسة الوزراء للتصريح هكذا، وما مدى الخطورة أو مدى استفحال الأمر؟ وأيضا ًما جدية معالجته من قبل الجهات المسؤولة عن هذا الملف الشائك؟

التصريح أثار ردود أفعال متباينة في الأوساط الشعبية، وحتى الرسمية، هذه الأوساط التي على الأقل تعلم ما هي الجهة الرئيسة لتوريد المخدرات الى العراق، مستندة في ذلك الى شواهد متعددة أبرزها الحملات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية العراقية بين الفينة والفينة، وإعلانها عن إلقاء القبض على عناصر التهريب للمخدرات والمتاجرين بها، بالتأكيد أصابع الاتهام تشير حسب ما تعلنه الجهات الرسمية وأماكن الاعتقال إلى الجارة إيران، ولكن تصريح رئيس الوزراء حرف البوصلة لدى الجميع إلى جهة الغرب القريب والغرب البعيد وتحديدًا كل من الأرجنتين وسوريا.

ومع كل هذا فإن الذي يعنينا منه هو أين تذهب هذه المخدرات ومن تهدد، المخيف في الموضوع برمته أن تسجل وزارة التربية العراقية حالات تعاطي المخدرات، وكذلك حالات ترويج لها داخل المؤسسات التعليمية وهذه بداية تنذر بمرحلة خطيرة هل نحن في بدايتها أم في وسطها وما هي تتداعياتها في المستقبل القريب.

في عدد من مدارس العراق، لا تتجاوز أعمار من يتعاطى المخدرات الـ10 سنوات بحسب وزارة التربية العراقية، استنادًا إلى إبلاغات إدارات المدارس في العاصمة بغداد والمحافظات الأخرى للوزارة، عن وجود هذه الحالات وجرى التأكد منها عن طريق إخضاع التلاميذ (الأطفال) للفحص الطبي، وإحالة هؤلاء التلاميذ إلى المستشفيات المختصة لتلقي العلاج، فهل هذا يعني انتقال الأطفال إلى حالة الإدمان؟

من المهم أن ألفت الانتباه إلى جزئية مهمة أن ما تعلنه الجهات الرسمية هو ما يقع تحت يديها، وما تكتشفه بجهود مسبقة أو مقدّرة، ولكن ما خفي كان أعظم، فهناك الكثير ممن هو واقع في هذه المصيبة من الأطفال ممن هم خارج إطار المؤسسة التربوية، وبعيدًا عن كل شيء ممكن اعتباره تحت العين الرسمية للدولة، وبالطبع لا تتوفر إحصاءات دقيقة يمكن الاستناد عليها سوى الإحصاءات التي تعلن عنها الجهات الحكومية والحقوقية.

الجهل الذي يخيم على هذه الشريحة من الأطفال والأمية المقيتة جعلتهم ضحية الإغواء الذي يمارسه المتاجرون بالمخدرات للإيقاع بهم ولا يبدو الأمر عفويًا ألبته.

نعود قليلًا إلى الوراء لنستعرض جملة من الإحصاءات الرسمية عن المخدرات ومنها إحصائية مكتب المخدرات ومتابعة الجريمة التابع للأمم المتحدة عن المدمنين من الشباب، وليس الأطفال، والتي تقول إن من بين كل 10 شباب تتراوح أعمارهم ما بين 18-30 يدمن منهم المخدرات ثلاثة، بينما لم يسجل المكتب غير حالتين كتجارة مخدرات فقط مابين 1970 و 1990 ، فالعراق كان قبل 2003 معبرًا للمخدرات فقط لأن العقوبات القانونية التي كانت تصل إلى حد الإعدام تكفي لردع كل من تسول له نفسه ولوج هذا العالم، ولكن بعد غزو القوات الأمريكية واحتلالها البلاد تغيرت المجريات الأمنية بشكل ملفت وسجلت أرقام خيالية في الإتجار والتعاطي.

أدوات الاغتيال في العراق كثيرة وتستهدف الجميع، الطفولة في بلادي يجري اغتيالها، في مقابل جهود رغم صدقها إلا أنها لا تصل إلى المستوى المطلوب، الذي يسهم في منع استفحالها على الأقل.

يقال إن من أسباب إدمان المخدرات الرفقة السيئة وإهمال الوالدين أو غيابهم نتيجة القتل والظروف الاقتصادية الصعبة، وكذلك الأمنية في بلد مثل العراق يتسم بعدم الاستقرار الأمني ناهيك عن الأصعدة الأخرى التي تشكل عوامل انحراف بالنسبة لبعض فئات المجتمع وتحديدًا فئة الشباب، ولكن أن ينتقل إلى الأطفال هنا يجب أن ندق ناقوس الخطر، فمن المسؤول عن حماية الطفولة في العراق؟

القانون ثم القانون هو جزء مهم من جملة الحلول المقترحة، فالعقوبة الرادعة تمثل أحيانًا بلسمًا قد يخفف من الآم الجروح في بلد مزقته الحروب.

اليوم الطفل العراقي الذي يبدو أنه قد تحول إلى حقل لإجراء التجارب، فمن المسؤول عن هدم هذا الكيان؟ ما يجرى قنبلة موقوتة ستنهي آمال العراق بالنهوض من جديد، فهل سيبني العراق جيل المستقبل المدمن والمخمور أم هل ستتدارك الدولة العراقية الأمر، فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد