المقدمة

شديدو بأسٍ،

ملتهبون حماسًا،

أباة، كرماء نفوس،

شجعانٌ أقوياء،

يعشقون الحرية والاستقلال،

أولئك هم المحاربون الدروز،

الذين يقطنون الجبال الشامخة والراسخة،

في وجه العواصف والأعاصير،

دماؤهم النقية تشهد لأصولهم النبيلة.

هكذا تم وصف الموحدين الدروز في قصيدة المطران ريجيبالد التي وردت في كتاب تاريخ الإسلام للكاتب وليام كوك تايلر الذي نشر في لندن عام 1851 ميلادية.

اخترت هذه المقدمة يقينًا بأن الموحدين الدروز أشبه بشبكة إلكترونية، لديها العديد من الخوادم في جميع البلدان، لا سيما لبنان وسوريا وفلسطين وليس انتهاءً بالأردن، فالدروز في المهجر والمغترب يمثلون أعدادًا لا يستهان بها نسبةً للعدد الإجمالي لهذه الطائفة، وكما أن أي عطل من الممكن حدوثه في أحد الخوادم، والذي بدوره سوف يسبب أذىً لهذه الشبكة، فإن أي زعزعة لاستقرار أي من مواطن الدروز حول العالم، سوف تتسبب بتخلخل النسيج الذي يربط الدروز بعضهم ببعض.

تاريخ الثورات العربية والموحدين الدروز

أيها العرب السوريون تذكروا أجدادكم وتاريخكم وشهداءكم وشرفكم القومي، تذكروا أن يد الله مع الجماعة، وأن إرادة الشعب من إرادة الله، وأن الأمم المتمدنة الناهضة لن تنالها يد البغي، لقد نهب المستعمرون أموالنا واستأثروا بمنافع بلادنا، وأقاموا الحواجز الضارة بين وطننا الواحد، وقسمونا إلى شعوب وطوائف ودويلات، وحالوا بيننا وبين حرية الدين والفكر والضمير، وحرية التجارة والسفر حتى في بلادنا وأقاليمنا، إلى السلاح أيها الوطنيون إلى السلاح تحقيقـًا لأماني البلاد، إلى السلاح تأييدًا لسيادة الشعب وحرية الأمة، إلى السلاح بعدما سلب الأجنبي حقوقكم واستعبد بلادكم ونقض عهودكم، ولم يحافظ على شرف الوعود الرسمية، وتناسى الأماني القومية.


هكذا بدأت الثورة السورية الكبرى بكلمات تلهب القلوب وطنيةً لا تنتهي

ليس من الجديد على عموم الناس، بأنه ما كان لسوريا أن يٌكتب لها الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، من دون القائد العام للثورة السورية المرحوم سلطان باشا الأطرش، الذي أقدم على إعلان الثورة في 21 تموز عام 1952، من خلال إذاعة بيان سياسي وعسكري، والذي التف حوله كبار قادة سوريا وعائلاتها العريقة، مثال عائلة آل البكري وعبد الرحمن الشهبندر وحسن الخراط من دمشق، ومن ثم عائلة عياش الحاج من دير الزور، وإبراهيم هنانو من إدلب، وفوزي القاوقجي من حماة.

قادة الثورة السورية آنذاك كانوا من جميع الطوائف، لم يجمعهم إلا سبب وطني واحد، هو وحدة الأرض والعرض والكرامة، حافظوا على سوريا موحدة ولم يفكر كل واحد فيهم بإنشاء دولته المستقلة رغم كل المغريات والمساندات والضغوطات التي مُورست عليهم من قِبل الاحتلال الفرنسي.

من يتعمّق بدراسة حياة الموحدين الدروز، يدرك مباشرة مدى أهمية الخصوصية في هذه الحياة، ومدى صعوبة تقبل العيش المشترك مع باقي الطوائف، لكنه يحتاج إلى تعمُق أكبر لكي يوقن بأنه على المدى الأوسع قام الموحدون الدروز بالعيش مع كافة الطوائف، وبالحد الأدنى للمشاكل استطاعوا إيجاد صيغة دائمة للمحافظة على الوحدة الوطنية، بالقدر الذي لا يمس حياتهم الشخصية، ونجحوا بذلك فعلاً، السويداء في سوريا تجاور درعا السنية، وفيها أقلية مسيحية، كذلك جرمانا وصحنايا في ضواحي دمشق المتشابكة بكل الطوائف والأعراق، إدلب وكل ما حولها من سنة وعلويين، دروز الجبل بلبنان كذلك الأمر، والأقلية في الأردن التي كانت أكبر مثال لاندماج الدروز والسنة، وانتهاءً بدروز فلسطين المحتلة وكيف عبّروا عن قدرتهم بوضع حدود للعيش المشترك إما مع الفلسطينيين أو مع الكيان الصهيوني المحتل، ولا ننسى ذكر الجولان المحتل والقنيطرة كلهم عرفوا كيف يرسمون طريقةً للعيش لا تُضر بهم ولا بمن حولهم.

حكم آل الأسد والموحدين الدروز

للأسف أقول، إن محافظة السويداء موطن الموحدين الدروز، نالت كثيرًا من التهميش والإهمال في عهد حكم آل الأسد، الكثير من المشاريع التنموية التي بدأت ولم تنته حتى يومنا هذا، المسؤولية في هذا الإهمال يتحملها النظام الحاكم بالجزء الأكبر، وتقع باقي المسؤولية على أهالي هذه المحافظة أنفسهم، فلقد دأب حكم آل الأسد وعلى مدى عقود، بالعمل على تمكين فكرة أن الأغلبية السنية سوف تمحو الأقلية الدرزية في حال وصولها لسدة الحكم، هذا ما جعل أهالي هذه المحافظة ينصاعون بشكل لا متناهي لضغوطات النظام من جهة، ولتعليمات وأوامر الهيئة الروحية للموحدين الدروز والتي لها علاقة وطيدة مع آل الأسد، نتج عن ذلك ارتفاع معدل الهجرة في صفوف الشباب الموحدين إلى الداخل السوري أو إلى خارج الدولة، السويداء لا يمكن تصنيفها لا بالمحافظة الصناعية ولا الزراعية رغم محاصيلها الكثيرة، ولا حتى السياحية بالرغم من الآثار التي تحويها، ولا سياسية لأن تمثيل الدروز السياسي في الدولة كان الأقل بين باقي الطوائف على مدى عقود.


حوادث سير كانت تحصد أرواح الأبرياء على الطريق الذي يربط هذه المحافظة بدمشق، رغم أن تاريخ طرح مناقصة تحويل هذا الطريق إلى أوتستراد كان في الثمانينات من القرن الماضي، ولم ينته العمل على هذا المشروع حتى عام 2010، وبالرغم من كم التهميش الهائل لهذه المحافظة دأب الحكم على تمكين الهدوء من هذه المحافظة، خالية من أي تمرد أو عصيان، ولجأ لاستعمال القوة أحيانًا، ربما لأنه كان على يقين أنه الدروز لهم تاريخ كبير في التمرد، وأنهم لو وقفوا مع جهة ضد أخرى فسوف يقلبون كافة الموازين.

ما لغز سياسة الحياد التي اتبعها الموحدون الدروز إبان الثورة السورية

    الأمن والأمان، التطرف الديني، أقلية مسحوقة، مصالح مشتركة، إحساس بالقوة، كلها عوامل ساهمت في أن تكون السويداء ساحة هدوء نسبي.

يعلم الموحدون الدروز أن بطش النظام ليس ببعيد في حال فكروا بالعصيان والتظاهر، وفي الوقت نفسه البديل ربما يبطش بهم أكثر، إذن الحل الأمثل هو مجاراة الحاضر وبأقل خسائر ممكنة، يقول البعض إن سياسة الحياد لم تطبق بشكل فعلي في السويداء، لأن أغلبهم التحق بجيش النظام، وأنا أقول إن الواقع الذي حدث أصعب من تشرحه كافة مقالات العالم، موضوع التجنيد بالسويداء موضوع معقد، فهو من جهة مدعوم بتبعية عمياء مع النظام ضد المسلحين الغرباء الإرهابيين كما يعتبرهم البعض، ومن جهة أخرى ضرورة لتفادي الوقوع تحت رحمة أفرع الأمن التي لا يمكن أن يخرج منها أحد وهو سالم معافى، كما وأن اللجان الشعبية نجحت في ضم أغلب الشباب العاطل عن العمل، والبعض وأخص البعض بأنهم كانوا ينظرون إلى الموضوع من زاوية حماية المحافظة وليس حماية النظام.

هل هذا هو الصواب؟

بعد كل الأحداث الدموية التي عاشتها سوريا خلال فترة الثورة وما بعدها من حرب أهلية، يتضح جليًا بأن الموحدين الدروز هم أقل الخاسرين في معركة أصبحت تحكمها أقوى دول العالم، بتطبيقهم سياسة الحياد بقصد أو من دون قصد، لكن الخسارة على الصعيد الوطني كانت كبيرة جدًا، لم يجتمع كافة القادة كما فعلوا زمن الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، الدروز خسروا كثيرًا على الصعيد الوطني كما خسر كل الشعب السوري، الثورة السورية قتلت في المهد، بمؤامرة أو بدون مؤامرة لم يعد هذا ينفع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد