«المشكلة الرئيسية في العالم الحديث، أن الجهلة والأغبياء واثقين من أنفسهم تمام الثقة بينما العلماء والأذكياء مترددون يملؤهم الشك»

مقولة شهيرة للمفكّر والفيلسوف الإنجليزي «برتراند راسل» تُعبّر عن ظاهرة نفسية واجتماعية خطيرة ومحيرة جدًا تُعرف بـ«تأثير دانينج-كروجر».

تحدث هذه الظاهرة عندما يعتقد الشخص الجاهل أو قليل الخبرة والمهارة أو قليل المعرفة بمجال أو موضوع معين، أن مستواه أعلى بكثير من مستواه الحقيقي، بمعنى آخر الظاهرة تعني ميل الشخص غير المؤهل أو غير الكفء للمبالغة في تقدير مهاراته أو مستواه المعرفي في مجال أو موضوع معين ووقوعه في وهم الأفضلية والتفوق في هذا الموضوع.

الغريب والمحير في الأمر، أننا نجد أنه بدلا من أن يؤدي عدم الكفاءة أو عدم المعرفة بأمرٍ ما إلى التشوش أو الشعور بالحيرة والحذر والتردد عند الشخص الواقع تحت تأثير الظاهرة، يحدث العكس ويشعر هذا الشخص بثقة عجيبة في غير محلها على الإطلاق!

«الجهل يولّد الثقة أكثر مما تفعل المعرفة».. داروين

التفسير الرئيسي للظاهرة، هو أن جهل الشخص يجعله غير قادر على معرفة حقيقة جهله أو عدم كفاءته، وذلك لأنه لو كان عنده القدر الكافي من العلم أو المعرفة لاستطاع أن يعرف مستواه الحقيقي وموقعه الفعلي بين أقرانه، أي أن المهارات التي يحتاجها الشخص ليكون جيدًا أو كفؤا في أمرٍ ما هي نفس المهارات التي يحتاجها لتحديد مستواه الحقيقي ومدى كفاءته في هذا الأمر بالمقارنة بالآخرين، وبالتالي لو لم يمتلك هذه المهارات في الأساس لن يستطيع أن يكتشف حقيقة ومدى جهله.

ولذلك أيضا نجد – نتيجة مباشرة لهذه النظرية – أن الأشخاص الأذكياء أو الأكثر خبرة ومعرفة بأمرٍ ما يعتقدون أن مستواهم أقلّ من مستواهم الحقيقي، ويعتقدون أن الأشياء التي يعرفونها أو يفعلونها بسهولة هي بالضرورة سهلة أيضًا بالنسبة لمعظم الناس، فيميلون أكثر إلى التواضع والتردد أو الشك باستمرار لأنهم وصلوا لمرحلة من العلم والخبرة جعلتهم يعرفون جيدًا أن هناك من هو أعلم منهم دائمًا وأنه ما زال أمامهم الكثير ليتعلموه.

«الأشخاص الأكثر حكمة يعرفون جيدا أنهم لا يعرفون شيئا».. سقراط

برغم وجود الظاهرة وتجذّرها في المجتمع من قديم الزمان وملاحظة الكثير من الفلاسفة والحكماء والمفكّرين لها وتعبيرهم عنها في كتاباتهم وأقوالهم المأثورة، إلّا أن العالم النفسي «ديفيد دانينج» يعتبر أول من تناول الظاهرة بالبحث والدراسة والتجربة من منظور علم النفس، بالاشتراك مع مساعده وتلميذه «جاستين كروجر»، ولذلك سُمّيت الظاهرة بتأثير دانينج-كروجر على اسميهما.

البروفيسور ديفيد دانينج استوحى الفكرة من حادثة غريبة جدًا ومثيرة للضحك الهستيري حدثت سنة 1995، حيث قام لصٌّ اسمه «ماك أرثر ويلر» بسرقة بنكين في وضح النهار بعد أن دهن وجهه بعصير الليمون معتقدًا أن ذلك سيخفي وجهه عن كاميرات المراقبة لأن عصير الليمون يستخدم في عمل الحبر السري، عندما قُبض عليه – بكل سهولة طبعًا – ومواجهته بتسجيلات كاميرات المراقبة التي يظهر فيها وجهه بكل وضوح كان السيد ويلر في غاية الذهول وعدم التصديق من فشل خطته التي راهن عليها بكل ثقة.

«قليل من المعرفة شئ خطير».. ألكساندر بوب

قد يعتقد البعض أن الأخطر هو عدم المعرفة، لكن في الحقيقة يتضح أن قلة المعرفة أخطر بكثير من عدم المعرفة على الإطلاق، لأن القدر الضئيل من المعرفة بأمرٍ ما قد يخدع أيّ شخص ويصوّر له أنه أصبح خبيرًا في هذا الأمر، بعكس من لا يعرف شيئًا عن الأمر أو غير مهتم به من الأساس.

ولذلك وجد العلماء والباحثين بعد الدراسة والبحث في تعريف العقل الجاهل، أنه ليس عبارة عن وعاء فارغ خالٍ من المعلومات، بل إنه يحتوي على بعض المعلومات ولكنّها في الغالب تكون معلومات خاطئة مضللة أو معلومات بدائية منقوصة متحدة مع ذكريات أو معتقدات مسبقة أو نظريات وخبرات حياتية متغذٍّ بها هذا العقل، فينتج عن ذلك الربط داخل العقل قصة قوية متماسكة أو نظرية راسخة قد تهيّئ لصاحب هذا العقل أنه واقفٌ على أرضٍ صلبة ومتمكن من الأمر جدًا.

هناك الكثير من الأمثلة على هذه الظاهرة النفسية الاجتماعية الخطيرة نراها في حياتنا اليومية طوال الوقت، نذكر بعضها بإيجاز في السطور التالية:

كثيرًا ما تجد شخصًا سمع حكاية من جدّه أو قرأ منشورًا على الفيس بوك أو مقالًا أو حتى كتابًا واحدًا عن موضوع معين ثم يتكلم فيه بعد ذلك بكل ثقة، كأنه أصبح خبيرًا متمكنًا، لا يوجد وجه مقارنة بينه وبين الذي يقرأ ويبحث ويدرس في كتب أو مصادر مختلفة عن الموضوع ويتعرض لجميع الآراء المختلفة عنه، وهو مع ذلك في بحث مستمر طوال الوقت عن العلم وعن الحقيقة والصواب.

 كثير من الشيوخ والدعاة يقعون تحت تأثير الظاهرة حين يُسألون عن الحكم الشرعي في قضايا سياسية أو اجتماعية معاصرة، فيسارعون إلى قياسها وتفسيرها بشكل خاطئ بدون الوقوف على الأبعاد الحقيقية للقضية، وبالتالي تكون الآراء والفتاوى الصادرة منهم مشوهة وغير موفقة، وذلك بسبب ضعفهم وقلة علمهم في مجالي السياسة والاجتماع أو في فقه الواقع، برغم قوة تمكُّنهم من العلم الشرعي ودرايتهم الواسعة بالنصوص والأحكام، وقد رأينا بعد ثورة يناير كثيرًا من الشيوخ الذين كنا نحبهم ونجلّهم ونكنّ لهم كل الاحترام وقعوا في الظاهرة حينما حاولوا إسقاط علمهم الشرعي على الواقع الجديد عليهم فجانبهم الصواب وسقطوا من نظر الكثير من الشباب، والحديث هنا عن ذوي النوايا الطيبة من الذين سقطوا تحت تأثير الظاهرة وليس عن علماء السلطان المنافقين.

 المسئول أو الحاكم الفاشل الضعيف محدود الكفاءة والعلم، الذي وصل إلى منصبه بالنفاق أو بالواسطة والمحسوبية أو بالتزكية وبدون إرادة واختيار الناس أو بالتعيين المباشر لأنه من أهل الثقة وليس من أهل الكفاءة، لا يستطيع أن يرى جهله وفشله الواضحين للجميع ويتكلم بكل ثقة عن إمكانياته ومواهبه وقدراته الخارقة وإنجازاته التي لا يراها أحد سواه. مثال كلاسيكي واضح لتأثير دانينج كروجر تعاني منه الشعوب التي تعيش في جمهوريات الموز، خاصةً في مصر حاليًا وكثير من البلاد العربية والإسلامية أيضًا للأسف.

 أيضًا يقع تحت تأثير دانينج كروجر الكثير من الرياضيين والفنانين والإعلاميين، حين يفتون في السياسة والدين بكل ثقة رغم ضحالة مستواهم المعرفي وتواضع حصيلتهم المعلوماتية في هذه الأمور، والتي لا تتجاوز القشور السطحية، فترى القرآن يتحول إلى حديث شريف والعكس وترى العشرة المبشرين بالجنة وقد أصبحوا أربعة وترى وطنية سطحية ساذجة وهكذا.

 أيضًا هناك التقارير والمقابلات الفكاهية التي يجريها مراسلو ومقدّمو برامج التوك شو مع الناس العاديين في الشارع فيسألونهم عن أشياء لا يعرفونها ولا يفهمونها، وبكل ثقة وإبداع يُجيب الناس إجابات بعيدة كل البعد عن الصواب والمنطق بدلا من أن يقولوا «لا أعلم»، هذه المقابلات تشبه بعض تجارب البروفيسور دانينج الحديثة والتي أظهرت نتائجها أن 90% من الناس عندهم استعداد لادّعاء المعرفة والخبرة بأمور لا يعرفونها في الحقيقة.

«المعرفة الحقيقية هى أن يعلم الإنسان مدى جهله».. كونفوشيوس

في الحقيقة من السهل جدًا أن تحكم على الأشخاص بالجهل والغباء من الخارج، ولكن ليس من السهل أن تتصور أنك قد تكون مثلهم في بعض الأمور دون أن تشعر، نعم كلنا معرضون للوقوع في الظاهرة بلا استثناء، فبرغم أن كلا منّا بارع وخبير في مجاله أو في بعض المجالات، إلّا أنه يكون ضعيفًا أو قليل الخبرة في مجالات وأمور كثيرة أخرى، فبالتالي يكون معرضًا للوقوع في الفخ بشكل أو بآخر، وإلّا فمِن أين يأتي كل هذا الهراء والجهل والغباء المنتشر حولنا إن لم نكن مشتركين فيه بدرجات ونسب متفاوتة؟

وأول خطوة للتغلب على الظاهرة بداخلنا وتحصين أنفسنا من الوقوع بها هى معرفتنا بوجودها ودراسة أسبابها ومظاهرها وتطبيقاتها، وهو ما حاولنا فعله في هذا المقال البسيط، أيضًا علينا أن نفترض احتمالية الخطأ في أقوالنا وأفعالنا دائمًا، وأن ننفتح على جميع الآراء وعلى كل الناس بصدرٍ رحب وأن نسأل النصيحة باستمرار دون تكبر أو استعلاء، وبذلك نكون فائزين ومستفيدين في كل الحالات، فإن كنّا مخطئين نتقبّل الأمر بصدرٍ رحب ونراجع أنفسنا ونستفيد، وإن كنّا على صواب نكون قد تأكّدنا من صحة كلامنا ونساهم في تصحيح بعض المفاهيم أو المعلومات الخاطئة عند الآخرين بطريقة مهذبة يتقبلونها.

وبشكل عام إذا كنت دائمًا تشعر أنك تعرف أقل مما يجب، وأن ما زال هناك الكثير لتتعلمه فأنت على الطريق الصحيح.. استمر!

«أن تكون متعلمًا يعني أن تكون قادرًا على أن تفرق بوضوح بين ما تعلم وما لا تعلم».. وليام فيذر

أما بالنسبة للتعامل مع من يجهل عليك، ويفتي بكل ثقة بدون أي دليل أو منطق في أمور أنت تعرفها جيدًا، فأفضل حل هو تجنبه والحذر منه، ولا تخوض معه في نقاش أو جدال لأنه في الغالب سيستدرجك إلى الأسفل لمستواه ويهزمك بكل قوة.

وبشكل عام ضع في ذهنك باستمرار هذه المقولة للخليل بن أحمد:

«الناس أربعة:
رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه،
ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك ناسٍ فذكروه (أو نائم فأيقظوه)،
ورجل لا يدري ويدرى أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه،
ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك أحمق فاجتنبوه (أو جاهل فارفضوه)».

وإذا كان ذلك الشخص الجاهل من أصدقائك أو معارفك فإن شئت واجهه، لمصلحته، وقل له «أنت جاهل وجهلُك يمنعك من أن تعرف أنك جاهل» وقل له أيضًا «أنت مثال كلاسيكي واضح لتأثير دانينج-كروجر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد