السلام عليكم

أنا عمران، طفل الشاشات الأول، أكتب لك في ذكرى ظهوري 18 أغسطس (آب) 2011، فقط اكتب على محرك بحثك «عمران السوري»، وستجد صورتي بكامل قيافتي ومساحيق التجميل، قالوا لي إن التراب والرماد جعلوا العالم يتعاطف معي، ويسأل عني وعن أهلي، أو الذين كانوا هكذا يُلقّبون، فهم الآن ليسوا معي.

لقد حققت حلمهم في الشهرة. كان أبي يقول لي دائمًا إن العالم سيرانا ويسمعنا يومًا ما، كنت أود أن تراني بدون «مكياج»، لكنك لن تعرفني حينها، ولن تتعاطف معي، هكذا قال لي من صوّرني: «لن أعالجك أو أمسح دموعك أو أنظّف ثيابك قبل أن ألتقط صورتك»، هل رأيتها؟ إنها حقًّا معبرة وجميلة، ويومًا ما سأقود بلادي للحرية، وأنشر صورتي هذه لأذكركم بي، حينها سأضع التراب على وجهي، وأذرف الدمع حتى تعرفوني، أو لعل التراب يكون قد غطى كامل جسدي.

والآن بعد أن رأيت صورتي على محرك بحثك، وعلمت كل ما تريد أن تعلمه عني، ورأيت من تباكى وتعاطف، وأحصيت التغريدات والمنشورات التي ذُكرت بها، أريد أن أُعرفك على بقية عائلتي، أو التي كانت كذلك، لي أخ أصغر اسمه إيلان، هل تعرفونه؟ نعم هو ذاك الطفل الذي التُقطت صورته غارقًا على رمال الشاطئ، هو أيضًا نجم مشهور أثارت صورته العالم، ولفت الأنظار إلى إخوتي الباقين، ودليل ذلك أنك تراني الآن بهذه الصورة الجميلة! أذكر أنني تعبت من إقناعه بالبقاء في حضن الوطن، لكن حضن البحر كان أكثر حنانًا، وأسرع لميلاده في السماء، بعد أن ضاقت الأرض بطفل صغير، وضاقت الأحضان بضحايا الحروب.

وبمناسبة ميلاد السماء، فإن أخي الأكبر الذي يُدعى محمد، اقتربت ذكرى ميلاده بالسماء، قد لا تتذكرونه؛ فليس له حسابات على مواقع التواصل تذكركم بميلاده؛ لتتمنوا له شيئًا على صفحته الشخصية، أخي الأكبر وُلد من رحم رصاص الاحتلال، أخي الأكبر هو محمد الدرّة، هل تذكرونه؟ لا تتعبوا أنفسكم، افتحوا محركات بحثكم، واكتبوا «محمد الدرة»، حينها ستذكرونه، هو ذاك الصبي الذي قُتل بين يدي أبيه حينما كان لا يفعل شيئًا، مثلما فعلنا نحن ومثلما فعلتم أنتم، فعلنا لا شيء، وفعلتم لا شيء.

هذه قصتي البسيطة، لا أعلم كلامًا غير ذلك، وربما لن أعلم غير ذلك، والآن أغلق محرك بحثك فقد عرفت كل شيء عنا، ولم يتبقَ إلا أن تعرف أننا أبناء الدرة، نعم هي الدرة، هي بلادي وأرضي وأرض إخوتي، هي الدرة اللامعة في الكون، هي الدرة التي ستظل لامعة، ولن تُطفأ ولو كره الكارهون، هي الدرة التي ستظل بارقة في ظلمات ضمائركم، لتذكركم دائمًا بالأرض وأبنائها، بالقضية دون الالتفات لتعدد أسمائها «فلسطين- العراق- سوريا- اليمن- ليبيا….)، تعددت الأسماء والجرح واحد، القضية هي الاحتلال والحرب، والعلة هي موت الضمير.

وفي النهاية إذا أردت أن تساعدني فلا تتعب نفسك بل استعد للبحث عن اسم أخي القادم، ربما يكون أحمد، أو إيادًا، أو زيادًا، أو منصورًا أو… إلخ، اكتب اسمه على محرك بحثك، وضع صورته بجانب صورنا، وابكِ كثيرًا؛ فالدمع يغسل العيون لكنه أبدًا لا يغسل الضمائر، إنما الحق يغسلها، والعدل يزيل عنها كل آثار التأنيب.

أما بعد، الأرض التي ترويها الدماء تُنبت أكلها كل حين، والنبتة التي تُسقى بالضمير أصلها ثابت وفرعها في السماء، أما الأرض المروية بالأموال لا تُخرج إلا نكدًا، والنبتة التي اجتُثت من فوق الأرض لا تشتهيها الأكلة إذا تداعت إلى قصعتها، وتصبح هشيمًا تذروه الرياح، وعندما تسمع عن الضمائر الميتة فلا تُصلِّ على أحد مات منهم أبدًا، ولا تقم على قبره، بل استرخ وتمدد، وافتح نافذة محرك بحثك، وابحث عن إجابة: أين ذهبت صورة عمران، وإيلان التي كانت على صفحتك الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد