Dystopia كلمة تتردد كثيرًا في الآونة الأخيرة ربما لأننا صرنا نتوقعها في أية لحظة. ولكن دعونا نبدأ البداية المنطقية لأي شيء: التعريف. هذه الكلمة هي عكس يوتوبيا وأصل كلمة يوتوبيا كما ورد في كتاب توماس مور الشهير باللاتيني (اللابلد) وكان يرمز بها للمكان المثالي الذي لا يوجد. أما ديستوبيا فتعني مكانًا خياليًا حيث يعيش الناس حياة قاسية ومخيفة في ظروف لا إنسانية وذلك بحسب تعريف قاموس وبستر.

هذا النوع من الأدب ليس حديثا، هاهي أمثلة سريعة من القرن التاسع عشر: (باريس في القرن العشرين) للكاتب الفرنسي الكبير جول فيرن عام 1863 ويقدم فيها باريس في عصر تتقدم فيه التكنولوجيا كثيرًا وتتراجع الثقافة.

من أهم الروايات في القرن التاسع عشر لرائد الخيال العلمي هربرت جورج ويلز وهي (آلة الزمن) عام 1895، وهي مصدر إلهام للعديد من الروايات فيما بعد، فقد قدمت صورة متكاملة ومتقنة النسج لمستقبل بالغ الشناعة ينقسم فيه البشر إلى مورولوك وهم الطبقة العاملة التي تسكن الأنفاق وتحيا في ظروف بائسة لا يرون فيها النور، والإيلوي الذين ينعمون برغد العيش، ويعتمدون اعتمادًا كليًا على الآلات والتكنولوجيا، كنا نراه غريبًا جدا وأقرب للفلسفة من الخيال العلمي بمثابة جرس إنذار مدو مبالغ فيه، لكن البشرية تتقدم في إصرار نحو هذه الصورة.

لقد استشرف الأدباء من بداية عصر النهضة الصناعية العلاقة بين تقدم التكنولوجيا وانحسار الثقافة وقيمة الإنسان نفسه.

وفي القرن العشرين: يوجد العديد من الأعمال مثل المحاكمة the trial لكافكا 1925 وعالم جديد جريء brave new world لأدولف هكسلي 1932.

 

1984 وهي رواية بالغة الأهمية، ربما الأشهر على الإطلاق، كتبها الكاتب البريطاني جورج أورويل عام1949، هي dystopia ذات طابع سياسي، وقد خرجت من نطاق الخيال العلمي حاليًا وأصبحت رواية واقعية!

فهرنهايت 451 لراي برادبوري عام 1953، يتناول برادبوري dystopia الخاصة به من الناحية الأدبية، فراي لم يحصل على تعليم جامعي وقد علّم نفسه بنفسه في المكتبات العامة، وبالتالي يكن الكثير من الاحترام للكتب التي أعطته الكثير وكانت رفيقه منذ الصغر، لذلك فإن جحيمه الخاص هوعالم بدون كتب، عالم يستقي معلوماته من شاشات أو حوائط تلفزيونية ومناهج دراسية على صورة كتيبات صماء، ولا مكان فيه للخيال والأدب، مما يسهّل مهمة النظام القمعي الذي يوفر الحاجات البيولوجية للشعب ويحرق الكتب من خلال رجال الإطفاء الذين لا يطفئون النيران كما هو معتاد، ولكنهم يشعلونها في أي منزل يوجد به كتب، ومن أجمل مشاهد الكتاب: حوار بين البطل وهو أحد رجال الإطفاء ومديره الذي يقنعه بالشر المستطير الكامن في الكتب.

أما في القرن الحادي والعشرين، فقد زادت كمية الديستوبيا وزادت شعبيتها ونُقلت بحماسة كبيرة إلى السينما. لا أحب تصنيف الأدب إلى أدب تجاري وآخر أكثر عمقا، الأصل في الأدب الروائي أن يكون ممتعًا وجذابًا بدون ملل (انظر إلى التعبير الدقيق لوصف رواية ناجحة page turner أي تجعلك تقلب صفحاتها في سرعة)

لكن في الحقيقة السلاسل (غالبا ذات الأجزاء الثلاثة) زادت هذه الأيام ويغلب عليها فعلا طابع (ما يحبه الجمهور)، فنجد عالمًا جديدًا خياليًا تفاصيله دقيقة تغرقك في هذا العالم، ومستقبلًا كوارثيًا يعبر عن المخاوف التي يعاني منها الجميع مع زيادة أعمال العنف والقسوة في العالم كله، ومغامرة شيقة في هذه الأجواء.

المثلان هنا: ثلاثية ألعاب الجوع hunger games للكاتبة سوزان كوللينز وثلاثية Divergent للكاتبة فيرونكا روث، كلاهما فكرته جديدة وجيدة والفكرة هنا ما يبيع أولا، لكن فرق المستوى الأدبي واضح بينهما في صالح الأولى.

ألعاب الجوع تدور في مكان خيالي يدعى بانيم به ثلاثة عشر حيًا، كل حي منهم يتخصص بصناعة معينة، والعاصمة وهي الكابيتول تتحكم في الأحياء جميعا، تأخذ ما تشاء منهم ويعيش سادتها في بذخ شديد، بينما الأحياء يعانون من الفقر، وتحيي ذكرى الثورة التي قام بها الحي الثالث عشر قديمًا وتم نسفه تماما، بعمل ألعاب جوع سنوية.

حتى تأتي (كاتنيس أفردين) وتنجح في إلهام الأحياء بالثورة مجددًا، لكن كاتنيس نفسها لا تقوم بالثورة بل تتردد في المشاركة فيها خوفًا من المزيد من القتل والدمار، خاصة حين تستشعر في قائدة الحي الثالث عشر (الذي واصل البقاء تحت الأنفاق في حياة شبه عسكرية خالية من الجمال) المتزعمة للثورة الجديدة نفس الميل للقسوة والعنف في سبيل الوصول لغايتها، لكنها تساعدهم للانتقام من الرئيس سنو، وتنفصل عن الجميع في النهاية مفضلة أن تعيش بهدوء في بيتها القديم.

أما Divergent (لا أعرف ترجمة مناسبة لهذه الكلمة ربما متباين أو متشعب لكن كليهما لا يعبر عن المعنى المقصود تحديدا في الرواية)، تدور في مستقبل يتناحر فيه البشر كما هو متوقع دائما، حتى يقرر جماعة منهم فصل مجموعة من البشر داخل سور ومحو ذاكرتهم التاريخية والثقافية، داخل هذا السور يضعون نظاما صارمًا يقسم الناس إلى factions أو جماعات حسب طبائع شخصياتهم التي تتحدد حسب اختبار aptitude test يخوضه كل شاب في مقتبل عمره.

الفكرة هنا هي أن السلام سيسود طالما أن كل إنسان يعرف مكانه بدقة ويقوم بعمله في جماعته المناسبة له، بالطبع تتغلب الطبيعة البشرية على هذه القواعد الصارمة ويظهر جيل ثان من البشر الذين تتنوع ميولهم بحيث يصعب تصنيفهم إلى إحدى هذه الجماعات وهم Divergent، تتصاعد الأحداث وتتكشف مؤامرة جماعة Erudite الذين يمثلون القسم الذكي المسئول عن الاختراعات والتكنولوجيا في القضاء على هؤلاء Divergent لأنهم يهددون استقرار هذا النظام والسلام الهش الذي يحافظون عليه.

 

من الواضح التشابه في فكرة تقسيم البشر إلى جماعات أو أحياء كما في ألعاب الجوع بحسب قدراتهم وإنتاجهم، وبشكل عام رواياتDivergent and insurgent نجحت الكاتبة في روايتها الأولى في اختيار theme أو خط روائي رائج وصنعت رواية حققت الغرض منها وهوالتسلية، وفي رأيي هذا أقصى ما وصلت إليه، لكن على المستوى الأدبي واللغوي لم تكن ممتعة بالقدر الكافي، ربما لحداثة سنها نسبيا أو لأنها روايتها الأولى. سوزان كوللينز على الصعيد الآخر كانت لها تجارب ناجحة في أدب الأطفال والتليفزيون ودرست الآداب والمسرح وربما لهذا تجد حتى اختيارها للأسماء ذا معنى.

ملاحظة أخيرة: أريد أن أوضح نقطة أن مفهوم الروايات الرائجة أو التي تحقق شعبية كبيرة لا يعني بالضرورة أنها ليست جيدة أدبيًا، فقد حقق البعض هذه المعادلة مثل خالد الحسيني، وج .ك. رولنج، ور. ر.تولكين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد