تتكون العملية التعليمية ولكافة المراحل الدراسية وصولًا لأعلى شهادة علمية، وهي الشهادة العالمية (الدكتوراة)، من ثلاثة محاور رئيسية وهي المعلم، والطالب، والحصة الصفية، بما ينطوي ضمنها الكتاب المقرر والأمور التقنية الأخرى كاللوح الصفي، وجهاز حاسوب، إن وجد، وأي أجهزة تكنولوجية أخرى كالكاميرا، وجهاز عرض الملفات على اللوح الصفي وغيرها. كل هذه العناصر يجب توفرها مجتمعة حتى يتحقق التعليم الوجاهي ويسير ضمن النظام الطبيعي للتعليم. جائحة كورونا أجبرت معظم دول العالم على الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعليم، ألا وهي التعليم الإلكتروني. إن التعليم الإلكتروني يتطلب عدة عناصر، هي الطالب، والمعلم، ووسائل التواصل التكنولوجي أو الإلكتروني؛ مما يشير إلى أن الفارق الوحيد بين التعليم الوجاهي والإلكتروني هو اجتماع هذه العناصر في مكان واحد أو لا. بالتالي فإن الجائحة أظهر ت أهمية استخدام التكنولوجيا في التعليم لغايات خدمة العملية التعليمية وتطويرها بما يخدم أهداف التعلم. من خلال هذه المقدمة نجد أنه لا يوجد فارق بين التعليم الوجاهي والتعليم عن بعد سوى مكان اجتماع عناصر التعليم بوجه عام، وهذا الفارق أصبح في القرن العشرين لا يشكل فارقًا في جودة التعليم في ظل التطور التكنولوجي.

إذًا نجاح التعليم الإلكتروني يقوم على أساس توفر الإمكانيات لاستخدام التكنولوجيا وتوظيفها بشكل جيد، وهذا ما حدث فعلًا من قبل القطاعين العام والخاص جنبًا إلى جنب لغايات خدمة العملية التعليمية في كل دول العالم. على الرغم من ذلك فقد أظهر عام 2020 ضعف العملية التعليمية في ظل استخدام التكنولوجيا في التعليم، على الرغم من توفر كافة الإمكانيات لذلك وبتوظيف التكنولوجيا في التعليم، وعلى الرغم من وجود بعض العيوب أو الحالات الشاذة التي يمكن أن توجد في الدول النامية، مصل انقطاع الإنترنت أو عدم توفر أجهزة إلكترونية لفئة قليلة من المتعلمين، أو غيرها من المشكلات التي توجد حتى في الدول المتقدمة. من هنا يأتي التركيز على المعلم والطالب في هذه العملية، وهما العنصران الآخران للتعليم.

في هذا المقال لا أشكك بالمهارات والكفاءات العلمية المتوفرة لدى الدول النامية، على الرغم من وجود بعض الاختلالات، والتي لا تشكل عائقًا أمام التعلم الإلكتروني. إن الممارسات العملية للتعليم الإلكتروني أظهر ت العديد من المشكلات المتعلقة بالطالب خلال مرحلة العملية التعليمية كالتغيب عن الحضور، عدم الدراسة والمتابعة مع المعلم، استخدام أساليب غير شرعية خلال مراحل الاختبارات، وأخيرًا توظيف التكنولوجيا ليس للتعليم، وإنما لغايات أخرى، كالاختراقات وتعطيل البث، وحالات الغش، والحضور خلال المحاضرة وغيرها الكثير.

إذًا فإن التركيز على العنصر الأساسي في العملية التعليمية هو الأساس وليس العنصر التكنولوجي أو المعلم. كل السلوكيات التي يقوم بها غالبية الطلبة، وليس كل الطلبة، تشير إلى عدم رغبة الطلبة في التعلم واكتساب المعرفة، فضلًا عن رغبتهم بالنجاح والانتقال إلى مستوى علمي أعلى دون الرغبة في التعلم، وهذا بدوره يلمح إلى أن الضعف ليس في استخدام التكنولوجيا في التعليم وإنما في توجهات الطلبة وأفكارهم وقناعاتهم حول قضية التعلم والرغبة في البحث، والتي بناء عليها يجري تقييم الطالب، وبالتالي انتقاله إلى المستوى العلمي الأعلى. وهذا لا يتأتى بين ليلة وضحاها وإنما هو محصلة مجموعة كبيرة من الوسائل والأساليب والمحاور منذ الصغر والتي تكون لدى الطالب القناعة التامة بأهمية التعلم وتغرس في أيديولوجياته حب التعلم والرغبة به بكل الوسائل المتاحة.

الدول المتقدمة تستخدم أسلوب التعلم عن بعد من عقود، ولا يوجد فارق بينه وبين التعليم الوجاهي بوصفه آلية للتعليم، وبالرغم من ذلك نجد سلوك الطلبة خلال الوسيلتين متشابهة مما يؤكد أنها قناعات تربوا عليها منذ الصغر، لا تستخدم التكنولوجيا في التعليم لغايات تطوير العملية التعليمية ورفع مستوى المحتوى التعليمي واستخدامها في تطوير البحث العلمي وغيره من القضايا.

نحن بحاجة إلى تغيير ثقافة المجتمع في الدول النامية حول التعلم بوجه عام، واستخدام التكنولوجيا وسيلة متقدمة تتماشى مع متطلبات العصر الحالي، ليس على مستوى ثقافة الطالب فقط، وإنما على مستوى كافة الأطراف المعنية بالطالب منذ الصغر. أخيرًا، أنا أرى أن التعليم الإلكتروني فرصة وليس نقطة ضعف فيما يتعلق بالأطفال حتى عمر قبل البلوغ لأنهم الفئة الوحيدة في المجتمع التي يمكن أن تتكيف مع تغير الثقافة وبالتالي هم من نراهن عليهم مستقبلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد