بين تراجع المقتحمين ومحاولات فرض واقع جديد

لا يوقف الاحتلال محاولاته فرض الوجود اليهودي داخل المسجد الأقصى، وتشكل اقتحامات المسجد أداته الرئيسة ليحول وجود مستوطنيه إلى وجودٍ دائم، وتستبطن هذه السياسة ما يقوم به الاحتلال من استهداف للمكونات البشرية، والتدخل في عمل الأوقاف وغيرها. وفي سياق اقتحامات المسجد الأقصى شهد عام 2020 تراجعًا في أعداد المقتحمين، لأسباب مختلفة، ونتناول في هذا المقال تفاصيل هذا التراجع وأسبابه، مع تناول مختلف الإحصاءات الصادرة عن الجهات الفلسطينية أو الإسرائيلية.

أقل عدد مقتحمين في السنوات الأربع الأخيرة

أثرت الإغلاقات المتكررة التي فرضتها سلطات الاحتلال بسبب وباء كورونا في القدس والمناطق المحتلة في اقتحامات الأقصى، فلم تحقق أذرع الاحتلال وفي مقدمتها «منظمات المعبد» زيادة في أعداد مقتحمي الأقصى، بل على العكس سجلت مختلف الجهات التي ترصد أعداد مقتحمي الأقصى تراجعًا ملحوظًا في أعدادهم، وهو تراجع لم ينسحب على مجمل أعداد المقتحمين فقط، بل امتد إلى المواسم والأعياد اليهودية، التي شهدت كذلك غيابًا لمشهد الاقتحامات الحاشدة.

أشارت معطيات دائرة الأوقاف الإسلامية إلى أن عدد مقتحمي الأقصى في عام 2020 بلغ 18526 مستوطنًا، وهو أقل عددٍ للمقتحمين في السنوات الأربع الأخيرة، وبلغت نسبة التراجع عن عام 2019 (شهد اقتحام 29610 مستوطنين) نحو 37%. وبناء على المعطيات التي تعلنها دائرة الأوقاف سنويًًا، لم تشهد اقتحامات الأقصى تراجعًا عن عتبة عشرين ألف مقتحم منذ عام 2017، وكان عام 2016 هو الأقرب إلى عام 2020، فقد سجل اقتحام 14806 مقتحمين.

ويمكن أن يصاب متابعُ الشأن المقدسي بالإرباك، من تضارب بعض المعطيات الصادرة عن مراكز الرصد المختلفة، فعلى سبيل المثال أعلن مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي أنَّ عدد المقتحمين في عام 2020 بلغ نحو 29 ألف مستوطن من بينهم طلاب يهود وضباط في جيش الاحتلال. ويعود سبب هذا التباين بين مركز القدس ودائرة الأوقاف، إلى أن الدائرة لا تحتسب الطلاب اليهود وعناصر الاحتلال الأمنية في إحصاءاتها السنوية، في حين أن مركز القدس ومراكز رصدٍ أُخرى ترصد مختلف الفئات التي تقتحم الأقصى، وتشملهم في تقاريرها السنوية، إضافةً إلى اختلاف أدوات الرصد المستخدمة.

مصادر الاحتلال تؤكد تراجع أعداد المقتحمين

ولم تكن المصادر الفلسطينية وحدها التي أشارت إلى تراجع أعداد المقتحمين فقط، بل أكدت المعطيات الصادرة عن أذرع الاحتلال هذا التراجع، فبحسب واحدٍ من ناشطي «منظمات المعبد» الصحافي المتطرف، أرنون سيغال، تراجع عدد المقتحمين في عام 2020 بنسبة 50% عن عام 2019، وبحسب مصادر هذه المنظمات، اقتحم الأقصى نحو 19814 مستوطنًا في عام 2020، في مقابل اقتحام أكثر من 37 ألف مستوطنٍ في 2019.

ولم نكتف في هذا المقال بما أورده المتطرف سيغال، بل بحثنا عن مصادر أخرى تُعنى بنشر أرقام المقتحمين، وأبرزها منظمة «يرائيه» Yera’eh الإسرائيلية، وهي واحدة من الجهات التي تُعنى بتشجيع المستوطنين اليهود على اقتحام المسجد الأقصى، وتُصدر تقارير سنوية حول أعداد المستوطنين الذين اقتحموا الأقصى، وقد كشفت المنظمة أن 17988 مستوطنًا اقتحموا المسجد الأقصى في عام 2020، وبحسب المنظمة بلغت نسبة التراجع عن عام 2019 نحو 60%، وهو العام الذي شهد للمرة الأولى تجاوز عدد المقتحمين عتبة الـ30 ألفًا بحسب مصادر منظمة «يرائيه».

وتؤكد المعطياتُ الإسرائيلية نتيجةَ الأرقامِ الصادرة عن دائرة الأوقاف الإسلامية، من ناحية التراجع الكبير في أعداد المقتحمين، مع التأكيد أن مصادر «منظمات المعبد» أو غيرها من مصادر الاحتلال تحاول تضخيم أعدادهم، في سياق محاولة إثبات قدرتها على حشد أكبر أعداد من المستوطنين لاقتحام المسجد. ويعود السبب الأول لتراجع أعداد مقتحمي الأقصى إلى الإغلاقات المتلاحقة التي فرضتها سلطات الاحتلال في القدس المحتلة، على خلفية الوقاية من وباء «كورونا».

ويمكننا تسليط الضوء على «عيد العُرش» أو «سكوت» بوصفه نموذجًا مصغرًا لتراجع أعداد المقتحمين في عام 2020، فقد احتفلت «منظمات المعبد» في عام 2019 بمشاركة نحو 4 آلاف مستوطن في اقتحامات هذا العيد، الذي رفع أعداد المقتحمين في الشهر الذي جاء فيه إلى نحو 6 آلاف مستوطن؛ بينما انخفض عدد المقتحمين في «عيد العُرش» في عام 2020 بنسبة 90%، على الرغم من تقليل سلطات الاحتلال إجراءات الإغلاق المتخذة حينها بحق المستوطنين، فقد شهدت أبواب المسجد الأقصى والطرقات المؤدية إليها أداء المستوطنين صلوات تلمودية علنية.

الاستفادة من الأعياد اليهودية لحشد المزيد من المقتحمين

تابعت «منظمات المعبد» محاولاتها حشد أكبر أعدادٍ ممكنة من المقتحمين بالتزامن مع الأعياد اليهودية في أشهر عام 2020، ومن هذه المناسبات ذكرى «خراب المعبد»، التي اقتحم الأقصى فيها نحو 1100 مستوطنٍ، وعيد «العرش» الذي جاء في شهر أكتوبر (تشرين الأول) واقتحم الأقصى فيه نحو 373 مستوطنًا. وفي شهر يناير (كانون الثاني) 2020 الذي شهد عيد «الهانوكاه» الذي اقتحم الأقصى فيه نحو 884 مستوطنًا.

وفي سياق محاولات «منظمات المعبد» رفع أعداد المقتحمين، لم تكتف باستغلال الأعياد اليهودية، بل عملت على اقتحام الأقصى بالتزامن مع أي موسمٍ ديني أو سياسي لدى الاحتلال، وفي النقاط الآتية أبرز المناسبات التي حاولت أذرع الاحتلال الاستفادة منها:

في 6 يناير 2020 دعت «منظمات المعبد» أنصارها إلى إحياء ذكرى «حصار المعبد»، عبر المشاركة في اقتحام المسجد الأقصى، وأعلنت تقديم شروحاتٍ خاصة في هذا اليوم.

في شهر فبراير (شباط) 2020، كثَّفت هذه المنظمات دعواتها إلى تنظيم اقتحامات واسعة للأقصى في 10 فبراير 2020، بالتزامن مع ما يُسمَّى «يوم الشجرة العبري»، الذي يؤرِّخ لبدء الموسم الزراعي بالتقويم العبري، وفيه «يحتفل اليهود بالشجرة وزراعتها وتقديم بكور الثمار».

مع اقتراب انتخابات «الكنيست» الإسرائيلي في بداية شهر مارس (آذار) 2020، دعا «ائتلاف منظمات المعبد» أنصاره إلى اقتحام الأقصى قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع في 2 مارس 2020، وذلك لتأكيد تمسُّكها بأجندتها المتعلقة بالمسجد وبأنها منطلق للتصويت في الانتخابات.

محاولة فرض واقع جديد على الرغم من تراجع أعداد المقتحمين

على الرغم من تراجع اقتحامات المسجد في عام 2020، استمرت أذرع الاحتلال في محاولتها تثبيت واقعٍ جديد في الأقصى في عددٍ من هذه الاقتحامات، ويمكن تسليط الضوء على عددٍ من الاقتحامات التي شهدت تطورات خطيرة، وفي ما يأتي أبرزها:

في 13 يوليو (تموز) 2020 شارك في اقتحام الأقصى 40 حاخامًا من بينهم «رئيس معهد المعبد» الحاخام المتطرف «يسرائيل إرائيل».

في 30 يوليو 2020 اقتحم الأقصى نحو 1100 مستوطنٍ، بالتزامن مع ذكرى «خراب المعبد»، وشهد هذا اليوم عددًا من الاعتداءات؛ إذ رفع أحد المستوطنين علم الاحتلال داخل الأقصى. وشهد المسجد أداء مجموعة من المتطرفين ما يسمى «السجود الملحمي» الكامل.

في 22 أكتوبر 2020 اقتحم الأقصى 81 مستوطنًا، وشارك في الاقتحام المتطرف تومي نيساني، المدير التنفيذي لمؤسسة «تراث جبل المعبد»، الذي قرأ بيانًا طالب فيه بطرد دائرة الأوقاف الإسلامية من الأقصى.

بالتزامن مع «عيد الحانوكاه» اليهودي ما بين 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 و6 ديسمبر (كانون الأول) 2020، تكررت محاولات المستوطنين إدخال «الشمعدان اليهودي» إلى داخل باحات الأقصى، محاولين اقتحام الأقصى أيام الجمعة والسبت في 4 و5 ديسمبر 2020.

رسمت هذه النماذج من الاقتحامات مشهدية محاولات الاحتلال السيطرة على المسجد في عام 2020، وهي ما نذكره في النقاط الآتية:

إعادة تطويع الرأي الدينيّ لدى مجتمع الاحتلال باتجاه تعزيز اقتحامات الأقصى، عبر مشاركة الحاخامات اليهود في اقتحام المسجد، بصورة جماعية أو فردية.

استمرار اقتحام الأقصى بالتزامن مع الأعياد والمناسبات الإسلامية، وهو واقع جديد بدأه الاحتلال في اقتحام عيد الأضحى عام 2019، وحشد مختلف أدواته الأمنية والتهويدية لتأمين هذه الاقتحامات.

رفع سقف مطالبات «منظمات المعبد» في فرض سيطرة الاحتلال على المسجد الأقصى، وهي دعوات لم تقتصر على رسائل إلى الساسة الإسرائيليين، بل وصلت حد الإعلان عنها من داخل المسجد الأقصى، وبثها مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

ختامًا، شهد المسجد الأقصى بالتزامن مع عيد «الفصح اليهودي» في شهر مارس 2021 تصاعدًا في أعداد المقتحمين، وتتوعد «منظمات المعبد» بأن تصعد اقتحاماتها في ذكرى «خراب المعبد» التي تتزامن مع الثامن والعشرين من شهر رمضان القادم، وهي مناسبات تعيد تسليط الضوء على مضامين هذا المقال، في إطار تحليل ما تقوم به أذرع الاحتلال في الأعوام الماضية، ومحاولة إيجاد حلول لصد موجات الاقتحام هذه، وعرقلة مشروعات الاحتلال في استهداف الأقصى، عبر مروحة من التوصيات، يمكن إيرادها في مقالاتٍ قادمة، مع التأكيد المستمر على دور المقدسيين الفاعل والمحوري في مواجهة الاحتلال وتغول مستوطنيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد