فلسطين مهد الديانات السماوية «اليهودية والمسيحية والإسلام»، تلك الأرض المقدسة التي ذكرها التوارة والإنجيل والقرآن، ففي مدينة بيت لحم ولد المسيح عيسى ابن مريم، وترعرع في مدينة الناصرة وعمل بخدمة التبشير في الجليل وحوض الأردن، وبحسب المعتقد المسيحي «صُلب ودُفن وقام وارتقى إلى السماء» في موقع كنيسة القيامة في القدس، هذه الحقائق التي ذكرتها الكتب السماوية والمعتقدات في المراجع التقليدية، جعلت أتباع الديانة المسيحية في العالم أجمع يطلقون على فلسطين «الأرض المقدسة».

ويعد المسيحيون الفلسطينيون أقدم الجماعات المسيحية في العالم، لذا يطلق عليهم لقب «المسيحيون الأوائل» ولقب «الحجارة الحية»؛ لكونهم أول من دخل في الديانة المسيحية، كما وصفهم بطرس الأول في رسائله، لذلك فالمسيحيون في فلسطين هم جزء أصيل ومكون رئيسي من مكونات الشعب الفلسطيني والهوية الفلسطينية.

ولكن منذ عدة سنوات لوحظ وبشكل واضح انخفاض كبير بأعداد المسيحيين في فلسطين، وخاصة بقطاع غزة، وذلك بعد تولي حماس الحكم منذ العام 2007، وذلك لعدة عوامل ومنها أنهم يشعرون بالقلق من الظروف التي تحيط بهم، سواء الاقتصادية أو السياسية أو الدينية؛ مما دفع فئة منهم للتفكير بالهجرة وترك موطنهم بحثًا عن الاستقرار والأمان والمساواة.

ويعد المسيحيون في قطاع غزة أقلية صغيرة مقارنة بالمسلمين، حيث لا يتجاوز عددهم 3 آلاف يعيشون وسط مليوني مسلم وتتبع غالبيتهم العظمى كنيسة الروم الأرثوذكس، ويشارك عدد قليل منهم في الحياة السياسية الفلسطينية.

إن المسيحيين في غزة يعيشون كغيرهم من المسلمين دون فوارق كبيرة، فهم يعانون كما يعاني غيرهم هناك من ظروف الحياة السياسية والاقتصادية التي يعيشها القطاع نظرًا إلى الحصار وضيق العيش، ولكن المسيحيين يواجهون صعوبات وتحديات أكبر بعد تولي حركة حماس الحكم في القطاع، وبعد ظهور بعض الجماعات السلفية المتشددة التي استهدفت بعضًا من المؤسسات المسيحية بالتفجير والحرق.

وتصاعدت الخلافات في فترة حكم حماس عندما اتهمت الكنيسة الأرثوذوكسية «هيئة علماء المسلمين» في بيان لها بخطف خمسة مسيحيين وإجبارهم على اعتناق الديانة الإسلامية في صيف 2012، مما أثار جدلًا واسعًا داخل المجتمع الغزي.

ولسان حال المسيحيين يقول إنه لا يوجد مشكلات مع المسلمين، ولكن القيود على الحريات العامة في قطاع غزة تنعكس بشكل تلقائي عليهم، وخاصة مع استشعارهم بوجود تمييز عنصري في جانب التقدم للوظائف الحكومية أو بعض المؤسسات، وهي تعد عقبة كبيرة وتحديًا لهم، دفع العديد من الشباب المسيحيين للسفر والهجرة إلى الخارج، من أجل البحث عن لقمة العيش، حيث يعاني اليوم، المجتمع المسيحي في غزة من نسبة عالية في هجرة الشباب إلى دول عربية وأوروبية، وانعكست هجرة الشباب المسيحي من غزة على نسبة العنوسة التي ارتفعت بسبب عدم عودة الشباب الذكور إلى غزة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة.

وهذه العقبات تشكل تهديدًا حقيقيًّا على وجود المسيحيين في غزة، حيث إن أعدادهم تتقلص بشكل متسارع، وهو ما يضعف النسيج الوطني الفلسطيني؛ فالمسيحي هو أخ المسلم في وحدة الدم والكلمة والهوية الفلسطينية، فقد ناضل المسيحي الفلسطيني، مثله مثل أي فلسطيني مسلم، حماية لوطنه.

والمطلوب منا اليوم وخاصة المسؤولين الحكوميين في قطاع غزة، هو دعم الفئة المتبقية من المسيحيين، ورفع العقبات عنهم ومنحهم امتيازات، خاصة في موضوع الوظائف والعمل، وتسهيل حركتهم وأنشطتهم الدينية وغيرها، والنظر إليهم من منظور وطني وليس بالمنظور الديني، وذلك لتعزيز الوحدة الوطنية والابتعاد عن التمييز والعنصرية والانقسام، فللمسيحي حقوق واجبة مثله مثل أي مسلم فلسطيني، فيجب علينا تعزيز صمودهم والحفاظ على توادهم في غزة وفلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد