محمد نور فرهود
محمد نور فرهودكاتب ومحرر

لم يكن ببال أحد سماع خبر الإعلان عن انتخابات رئاسية أو برلمانية مبكرة في تركيا؛ حتى يوم الثلاثاء الماضي 17 أبريل (نيسان) الجاري، عندما خرج زعيم الحركة القومية دولت باهجلي مفجّرًا قنبلة من العيار الثقيل، قائلًا: أقترح تقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية إلى 26 من أغسطس (آب) من العام الجاري، بعد أن كان من المقرر إجراؤها في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) من العام القادم 2019.

لم يكن الحديث عن انتخابات مبكرة قبل هذا اليوم بالأمر المنتشر أو المتوقع داخل الأوساط التركية، إلا أنه في الوقت نفسه لم يكن مستبعدًا تمامًا.

حتى نفهم القضية بوضوح

إنّ أية دولة تُقدم على تقريب موعد الانتخابات فهذا يعني أنّ مشكلة ما تحدث داخل الحياة السياسية بشكل خاص، ولو أنني قلت إن تركيا لا تعاني حاليًا من بعض المشاكل السياسية؛ سأكون مبالغًا أو مواربًا، ولكن بالمقابل لا يمكننا أن نحكي عن فوضى سياسية أو ديكتاتوية أو أزمة سياسية كبرى، والمتابع للشأن التركي يعي جيدًا هذا الكلام. حيث وإن لم يكن أي مشكلة تذكر في الداخل التركي، فيكفي أن حروبًا مشتعلة بالبلاد التي تعتبر جارة لتركيا، يكفي هذا أن يؤثر على الوضع الداخلي لبلد جارته سوريا والعراق وإيران، هذا ولم نتحدث بعد عن وقوع محاولة انقلاب عسكري في هذا البلد، أفلا يكفي كل هذه الأمور لأن تخلق نوعًا من المشاكل داخل الحياة السياسية بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام؟

يؤكد ما سبق، تصريحات الرئيس أردوغان في مؤتمر صحفي سريع عقب لقائه مع زعيم الحركة القومية باهجلي، حيث قال أردوغان: نظرًا للعمليات العسكرية التي نجريها في سوريا، وللتطورات التاريخية التي تشهدها منطقتنا؛ يتحتم على تركيا تجاوز حالة الغموض في أسرع وقت ممكن.

المشكلة أنّ إخوتنا المنظّرين الذين لا ينعمون بأي نوع ديمقراطية في بلادهم، وتحكمهم أنظمة ملكية أو أميرية أو ديكتاتورية غير تعددية؛ يتحدثون بشكل غير منطقي وفقير معلوماتيًّا وفهمًا؛ لأنهم باختصار إما لا يعرفون ما يجري في تركيا أو لحاجة في نفس يعقوب.

نحن نتحدث عن دولة تحيط بها الصراعات الإقليمية والدولية من كل حدب وصوب، دولة شهدت انقلابًا عسكريًّا قاسيًا استطاع الشعب وحده التغلب عليه، دولة تحارب منظمة انفصالية مسلحة إرهابية تنتشر داخل الدولة.

استفتاء 16 أبريل (نيسان) والانتخابات المبكرة

لا شك أنّ قرار إجراء انتخابات مبكرة مرتبط بتغيير نظام الحكم من برلمانيّ إلى رئاسيّ، وبدوره سيمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع، وهو بالمناسبة شبيه إلى حد ما بنظام الولايات المتحدة الرئاسي. هذا النظام تمّ الاستفتاء عليه بشهر أبريل من العام الماضي وتمكن من الحصول على نسبة 51.4% والتي بموجبها سيتمّ تطبيق هذا النظام في البلاد عقب الانتخابات مباشرة.

تصريحات أردوغان كانت واضحة في أنّ تركيا بحاجة في هذا الوقت (الذي تشهد فيه منطقتنا تطورات تاريخية) أن تخرج من حالة (الغموض)، إنّ ما يرمي إليه أردوغان أن تركيا بحاجة لاتخاذ قرارات سياسية صارمة تستند إلى جدار الشعب القوي الذي طالما اعتمد عليه أردوغان.

إنّ تركيا قبل مجيء (العدالة والتنمية) عانت من الحكومات الائتلافية، وهذا أمر تقرّ فيه المعارضة أيضًا، لأنّ الدولة التي تعصف بها الاختلافات السياسية والأحزاب التي يطمح كلّ واحد منها أن يصل لسدّة الحكم دون دفع الفاتورة؛ هي دولة ضعفة، ويكفي أنّ نرى حال بعض الدول العربية وغيرها التي تقودها حكومات ائتلافية، إن وضع بعض البلاد يثير الضحك حقيقة. القوة السياسية التي تأتي من وراء صناديق الاقتراع لا علاقة لها بالديكتاتورية أبدًا، الديكتاتورية وحكم العسكر نراه في دول أخرى تعلمونها، ونضحك من شكل عمليات الانتحابات فيها، بل هو المضحك المبكي.

أنا في النهاية لا يهمني أن أدافع عن شخص أردوغان بشكل خاص أو أقوم بالدعاية لأحد، ولكنني أتعجب من حالة الانفصام الذي تعيشها بعض مجتمعاتنا، التي ذكرتُ في البداية أنها لا ترى في بلدانها أي نوع من الديمقراطية وتأتي كي تنظر على الشأن التركي دون معلومات صحيحة أو فهم منطقي للحياة السياسية داخل تركيا.

أخيرًا تركيا على موعد مع معركة انتخابية من أقسى معارك الانتخابات في تاريخ تركيا، في عام 2014 تمّ إجراء انتخابات يختار الشعب التركيّ من خلالها رئيس جمهوريتهم مباشرة وليس باختيار البرلمان، للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية، وبعد شهرين من الآن سيختار الشعب التركي بكامل إرداته رئيس الجمهورية الذي يمكنه أن يدخل باسم حزبه وفق نظام دستوري جديد، وعندما يقرّر الشعب التركي بكل حريته وإرادته نظام حكمه، ورئيس جمهوريته؛ حينها رفعت الأقلام وجفت الصحف، أوَ ليست الديمقراطية هي حكم الأغلبية يا قوم؟.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك