عالمنا تكتلات متباعدة، فالقبائل يفصلها مسافات، والقرى والمدن تبعد عن بعضها البعض مسافات أخرى، فلا نجد تكتلًا سكانيًّا في دولة ما أو مكان ما متصل اتصالًا دائمًا ببعضه، كأنه سائل مسكوب على رقعة الأرض، إنما يكون -في تكوينه الأصغر- أشبه بتناثر مبعثر أو أقطاب مغناطيس متنافرة.

فلطالما سعى الإنسان لحياة أكثر استقرارًا، يأتمن فيها على مأكله وبنيه، لكن بين أجدادنا عاش المهاجرون من خلقوا عالمنا بذلك الشكل، لا يلبث أحدهم أن يتمركز في رقعة من الأرض فيزرعها أو يستأنس فيها حيوانًا يرعاه أو يغزو فيها بحرًا يطعم من مائه، لا يلبث أن يفعل ذلك فيأمن ويطعم حتى ينمو بداخله إحساس بالضيق، يدفعه دفعًا أن ينفض يديه عن كل تلك النعم، ويسعى وحيدًا لا يدري وجهته، يضرب الأرض بحثًا عن وطن يحتويه، وإن لم يجد فيكون هو بانيه.

فقد يصادف قومًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، فيعيش بينهم في ثوب إنسان جديد، يتشرب عاداتهم ويتلون لسانه بلهجتهم، يتقن مهنتهم ويرتدي زيهم، وعلى ملتهم يموت فيُدفن في قبرٍ من قبورهم.

وإن لم يصادف فيبني وطنه بساعده، ينتقيه على ضفة نهر أو شاطئ بحر، ثم يُخلد في وطنه اسمًا، وطباعه تُورث عادات لأبنائه، وصنعته تصير حرفًا لأحفاده.

فعل الهجرة هو فعل إنساني بالدرجة الأولى، فأولًا هو يتطلب تعالي فوق رغبات الإنسان الحيوانية، فالهجرة هنا هدم وبيع لكل رغبات الإنسان، متمثلة في استقراره وانسلاخ تام عن كل ما يمثله عالمه من تعريف لكينونته الحالية، وعوضًا عن كل ذلك يشتري مجهولًا لا يدريه، وثانيًا هو تعالي فوق الموت، فالمهاجر في العصور القديمة كان عرضة لمخاطر عدة، وفي النهاية ارتضي احتمالية التضحية بحياته لأجل مجهول.

ولا يكتفي المهاجر بالتحليق ساميًا فوق الموجودات، باعتباره أعلى لا يخاف الموت، متحررًا من رغباته الدنيا، وإنما لا يلبث أن يهبط للطبيعة فيطوعها بيديه، فيجد ذاته فنانًا في عمله، ويُعمق وجودة الإنساني بصنعته.

من أمثال المهاجرين الأوائل، أبو حامد الغزالي، فبينما هو في أوج شهرته في بغداد، قرر ترك ماله وشهرته والهجرة لأرض لا يعرفه أحد فيها، وكان نزول الغزالي للأرض متمثلًا في عمله الأدبي.

ولم يهدأ فضول الإنسان للاستكشاف، حتى عندما ضاقت به الأرض اتجه للسماء فسار فوق القمر، وقريبًا يسير فوق المريخ ويعمره.

ولسوء الحظ فالحديث عن هجرة مشابهة اليوم لا نجد لها مثيلًا، اللهم إلا في رحلة المريخ تلك، فقد صار كل شيء على كوكبنا معلبًا اليوم في معلبات صفيح تجارب مفتتة تحتاج لآلة معدنية ثمينة حتى تستطيع تجربتها، وما إن تفض الغطاء وتصل لتلك التجربة المعلبة ستجدها مصطنعة مختلطة بمواد حافظة.

ومدننا وقرانا صارت نسخًا مكررة يغزوها التمدن كفيروس لا يرحم، ينهش بدون توقف كل المعالم، والعولمة تغزو عالمنا تدفعنا نحن كذلك أن نصير نسخًا مكررة، لكنها نسخ فارغة من أي محتوى.

فالعالم اليوم هو ما يحدث وراء تلك الشاشات، وتواصلنا اليوم هي تلك الكلمات المفرغة من أي تعبير، ثقافتنا أصبحت واحدة، استهلاك محموم لوسائل رفاهية، وحماقة من يمتلك أكثر، وأثمن ما فيها نقدسه فيرتفع درجات فوق الآخرين، والناجح وسطنا هو القادر على تدجين نفسه لأقصى درجة فيكون عضوًا -لا قيمة له الحقيقة- يبذل مجهودًا جبارًا لأجل كيان آخر لا قيمة له.

الإنسان ابن بيئته، والمهاجر أكثر ثراءً من الناحية الإنسانية عمن سواه، فلنأمل أن نؤسس لعالم مختلف أفضل من عالمنا الآن على كوكب جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد