بداية الحديث هنا يجري عن الأنظمة التي وصل فيها الرئيس إلى الحكم عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة أما هؤلاء الذين وصلوا إلى الحكم بالقوة أو بانتخاباتٍ مزيفةٍ فإن المطالبة برحيلهم وإجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ جديدةٍ هو عين الديمقراطية.

والانتخابات المزيفة هي تلك التي لا تعبِّر عن إرادة الشعب تعبيرًا حقيقيًا سواء كان هذا نتيجة لعملية تزويرٍ مباشرٍ بإعلان أرقام غير الأرقام الحقيقية أو تسويد بطاقات اقتراع وهمية أو منع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم أو كان هذا عن طريق إبعاد المنافسين عن الترشح سواء بسجنهم أو منعهم عن طريق وضع العوائق والعقبات التي لا تسمح في النهاية بالترشح إلا للرئيس المطلوب فوزه أو من يرضى هو عن ترشحهم لمنافسته منافسةً زائفةً أمام الرأي العام.

أما إذا كان الرئيس قد تم انتخابه في انتخاباتٍ ديمقراطيةٍ حرةٍ ونزيهةٍ فإن المطالبة بإقالته هي مطلبٌ ديكتاتوريٌ وليس ديمقراطيًا كما يشيع البعض، وذلك لأن الأصل أن الرئيس قد انتُخب بأغلبية من الناخبين بينما هناك أقلية كثرت أو قلت ترفضه فإذا استطاعت تلك الأقلية -والتي تعد بالملايين عادةً- أن تنظم صفوفها بطريقة أو بأخرى وخرجت جميعها في مظاهرات تطالب برحيله وتم الرضوخ لها فهذا يعني أن الأقلية التي كانت رافضة لحكمه من البداية ولا زالت ترفضه  -غالبًا لخلافات أيدلوجية – قد فرضت رأيها على الأغلبية التي قبلت بحكم هذا الرئيس وهذه هي الديكتاتورية؛ أن تفرض الأقلية رأيها على الأغلبية.

والزعم بأن الرئيس المنتخب من واجباته أن ينتهج سياساتٍ تجعل من انتخبوا منافسه يقبلون بحكمه فتلك حماقة لا علاقة لها بالعمل السياسي أو الواقع، فلا يمكن لعاقل أن يطالب رئيسًا انتُخب لتحقيق أهدافٍ معينةٍ وفق سياساتٍ معينةٍ تبنَّاها في برنامجه السياسي الذي وافقت عليه الأغلبية أن ينتهج السياسات التي تبناها منافسه والتي رفضتها الأغلبية وذلك حتى يجعل من لم ينتخبوه يرضون عنه.

إن الأصل أن معارضيه لا يرضون عن سياساته ؛لأن سياساته هي  نتاج فكره السياسي والاقتصادي، والمفترض أنهم لم ينتخبوه لأنهم يتبنون فكرًا سياسيًا واقتصاديًا مخالفًا لفكره، فبالتالي لن يقبلوا سياساته، من الممكن أن تجعل نجاحاته معارضتهم له تفتر بعض الشيء ولكنهم سيبقون رافضين له ولسياساته، وإلا لكان نجاح رئيس من اليمين مثلًا يجعل اليسار في بلده يغيرون توجهاتهم ويصبحون يمينيين مثله وهو ما لا يحدث بالطبع فمهما حقق الرئيس اليميني من نجاح باتباع سياسته اليمينية يظل اليساريون يرون أن سياستهم قادرة على تحقيق نجاح أكبر ويظلون معارضين له ومتطلعين إلى السلطة.

وبالتالي فطالما الرئيس ملتزم بالخط السياسي الذي تم انتخابه على أساسه فلا يحق لمعارضيه أن يطالبوا بانتخابات مبكرة لأنه ينفذ ما تم انتخابه على أساسه. ولكن إذا قام الرئيس بانتهاج سياسات تخالف ما تم انتخابه عليه فهنا يكون المطلب بانتخابات رئاسية مبكرة مطلبًا مشروعًا؛ لأنه قد أخل بشرط انتخابه أي أنه أصبح غير أَهل للثقة التي منحتها الجماهير له ولا نعني بشرط انتخابه هنا الوعود التي وعدها الرئيس أثناء الفترة الانتخابية وعمل على تحقيقها بعد فوزه ولكنه لم يستطع أن يحققها كلها أو جزءًا منها، كتخفيض عجز الموازنة أو تقليل نسبة البطالة إلى آخر تلك الوعود الانتخابية فهذا لا يعد إخلالًا بشرط ترشحه، بل هو إخفاق في تحقيق وعوده الانتخابية والواقع أن كل الرؤساء يخفقون بنسبة أو بأخرى في تحقيق وعودهم الانتخابية. إن ما نعنيه بالإخلال بشرط انتخابه هو أن يغير السياسات التي وعد باتخاذها والتي كانت هي نقطة خلاف بينه وبين منافسه والمحور الرئيسي الذي دارت حوله العملية الانتخابية كأن يكون مثلًا البرنامج الانتخابي لمنافسه قائمًا على سد عجز الموازنة عن طريق بيع الشركات الحكومية وزيادة الضرائب على الخدمات والسلع، بينما هو وعد بسد عجز الموازنة بدون بيع الشركات الحكومية أو فرض أي ضرائب جديدة وبعد فوزه بالانتخابات على هذا الأساس ووفق هذا الشرط نكث بوعده وقرر بيع الشركات وفرض ضرائب لسد عجز الموازنة ففى هذه الحالة من حق الشعب أن يطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، بل إن الشرف يحتم على الرئيس نفسه أن يكون سبَّاقًا ويدعو بنفسه لانتخابات رئاسية مبكرة لأنه أخلَّ بالشرط الذي انتُخِب على أساسه وهو ليس إخلالًا قانونيًا ولا دستوريًا ولكنه إخلالٌ أخلاقيٌ وسياسيٌ.

لأن ما بين الرئيس وجماعة الناخبين هو عقد غير مكتوب يشتمل على شروط أساسية وأخرى فرعية قدَّمها الرئيس نفسه في برنامجه الانتخابي ووافق عليه الشعب حين انتخبته الأغلبية فإذا الْتَزَم الرئيس بالشروط الأساسية التي اتفق عليها مع ناخبيه فهو رئيس سياسي لا يحق لأحد كائنًا من كان حتى من انتخبه أن يطالب برحيله ما دام ملتزمًا بما تعهد به أما إذا أخلَّ بتلك الشروط فغيَّر سياساته وبدَّل برنامجه الذي انتُخِب على أساسه؛ يكون في هذا الحالة قد فقد شرعيته وتصبح المطالبه برحيله وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة واجبًا وليس مطلبًا.

وكلامنا هنا لا يجب أن يفهمه أحد على أنه رفض لحق التظاهر بل على العكس أن من واجب الشعب سواء معارض أو مؤيد أن يتظاهر ضد كل قرار يرون أنه خاطئ حتى يتعرف الرئيس على رأي الشعب في قراراته بشكل مباشر ويجب على الرئيس المنتخب أن ينصت لصوت المتظاهرين ويتعرف على أسباب رفضهم ويرد عليها سواء نجح في إقناعهم بوجهة نظره أم لم ينجح وهو واجب ايضًا غير قانوني ولكنه أخلاقي.
لكن حديثنا منصب على المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة والاعتقاد الخاطئ أن هذا مطلب ديمقراطي.

                                                                                                         

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد