أهمية منطقة القرن الأفريقي ليست وليدة اليوم، فمنذ عصور قديمة تعتبر هذه الرقعة الجغرافية محط أنظار جميع القوى العظمى، وذلك لأهمية موقعها الاستراتيجي المطل على طرق التجارة الدولية، فضلًا عن الموارد الطبيعية التي تتمتع بها، وعليه عند النظر إلى الخلافات الأفريقية-الأفريقية، علينا أن نولي المتغير الأمريكي أهمية كبيرة من التحليل والمتابعة، بعتبارها أكثر القوى الدولية احتكاكًا بالقارة ومشاكلها، وهو ما يفرض نفسه اليوم على الحالة الإريترية الإثيوبية الأخيرة.

وكما هو معروف كانت أولوية الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الباردة في منطقة الشرق الأفريقي هي محاربة الشيوعية والأنظمة الموالية للاتحاد السوفيتي السابق، وفي هذا السياق باركت الولايات المتحدة ودعمت الثورات الشعبية التي أدت إلى تغيير نظام «سياد بري» في الصومال، ونظام «منجستو هيلا ماريام» في إثيوبيا، وأما الآن فاستراتيجيتها متمركزةً حول كيفية تقوية مكانتها في التسابق الدولي والإقليمي الحاصل في المنطقة، وذلك في خلال «خطة القرن الأفريقي الكبير»، على غرار خطة «الشرق الأوسط الكبير»، وأما عن الأهداف الأساسية لهذه الخطة، فتتمثل في الآتي:

  1. مزاحمة الوجود الفرنسي في المنطقة، وخصوصًا في جيبوتي.
  2. المحافطة على سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على ممرات التجارية الدولية ونقصد بذلك ممر باب المندب.
  3. التقرب من المناطق المنتجة للبترول، أي السعودية والخليج عمومًا.
  4. وأهمها – أي الأهداف – محاربة النفوذ الصين المتعاظم في المنطقة.
  5. احتواء النفوذ الإيراني المتعاظم في منطقة البحر الأحمر باعتباره جزءًا من استراتيجية أمريكية للمواجهة الشاملة مع إيران.

ومن أجل تحقيق الأهداف المذكورة في أعلاه، يجب على واشنطن تكوين منظومة تضم جميع دول المنطقة، كما فعلت مع دول غرب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية في مجابهة التغول السوفيتي آنذاك، بالإضافة إلى ذلك تسعى إلى تقوية علاقاتها البينية مع دول المنطقة في كل المجالات، الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتأسيسًا على ما تقدم يمكننا القول إن قرار رفع العقوبات من السودان في أكتوبر الماضي، يأتي في سياق مسعى الولايات المتحدة الأمريكية في تكوين المنظومة الإقليمية المفترضة.

وأيضًا من أجل تأسيس هذ المنظومة يجب عليها – أي واشنطن – أن تزيل جميع العوائق والمحددات التي تعيق تأسيسها، والمتمثلة في المهددات الأمنية، أي التنظيمات المسلحة، والتي تأتي على رأسها حركة الشباب الصومالي، والخلافات البينية بين دول المنطقة، وعلى قائمتها الخلاف الإثيوبي الإريتري.

والمتتبع للتطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، من زيارات ماكوكية يقوم بها بعض المخططين الاستراتيجيين، والنافذين في إدراة البيت الأبيض، يجد أن أمريكا بدأت تضع اللبنات الأسياسية لمشروع القرن الأفريقي الكبير، ومؤخرًا قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية دونالد ياماموتو، بزيارة خاطفة للمنطقة، شملت كلا من أديس أبابا وأسمرا، حيث التقى هناك بقيادة البلدين، وناقش معهم عملية إيجاد الحلول للخلاف الحاصل بين البلدين.

وما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى وضع خطة القرن الأفريقي الكبير قيد التنفيذ مجددًا، هو الإشارات الإيجابية التي أعطاها، رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد أبي أحمد، حيث قال في أول تصريح له بأن بلاده مستعدة لتحسين علاقاته مع النظام الإريتري، ما إن بادلت أسمرا نفس النوايا، بالإضافة إلى ذلك الأزمة الداخلية، والعزلة الدولية، التي يعاني منها النظام في أسمر، والتي قد تتسبب في إسقاطه، وإذا ما تغير النظام هناك، فتتوقع إدارة البيت الأبيض، بأن الفوضى قد تعم إريتريا، وفي هذه الحالة سيواجه المشروع الأمريكي مهددات كثيرة، ولذلك تحاول تحسين العلاقات البينية بين إثيوبيا وإريتريا قبل فوات الأوان.

بالمجمل الاهتمام الأمريكي بمنطقة القرن الأفريقي ليس وليد اللحظة، إنما يعود إلى فترة ما قبل حركات التحرر الأفريقية، وبحكم مكانة منطقة القرن الأفريقي الجيوستراتيجية، دفع أمريكا إلى الاهتمام بالمنطقة اهتمامًا خاصًا في سياستها الخارجية، حتى أصبحت تعتبر كل تهديد أمني فيها، يعتبر تهديدًا لهيمنتها العالمية، حتى قامت بتأسيس أكبر قواعدها العسكرية في جيبوتي، وذلك من أجل توفير الحماية للمنطقة، فضلًا عن سعيها في تقوية العلاقات العسكرية من دولها، وكما ذكرنا في أعلاه أن لها «خطة القرن الأفريقي الكبير»، والتي تحاول من خلالها تقوية نفوذها هناك، حيث تعتبر إريتريا وإثيوبيا أهم دولتين لتنفيذ هذه الخطة، وتأزم العلاقات بينهما يعد عائقًا لهذه الخطة، ولذلك وقع على عاتق دونالد ياماموتو وجود حل للخلاف الإريتري الإثيوبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد