لا يختلف اثنان على أن منطقة القرن الأفريقي تمر بمرحلة شديدة التعقيد، فإلى جانب المشاكل الداخلية والاقتصادية والسياسية والأمنية المتأزمة التي تعاني منها دول المنطقة، هناك خلاف في وجهات النظر حول العديد من الملفات الإقليمية والدولية، ويعود سبب هذا التأزم في العلاقات، والذي ربما سيؤدي إلى صراعات مسلحة دامية بين هذه الدول، قد تتضرر منه الشعوب أكثر من الأنظمة، إلى الاصطفافات الحاصلة بين دول المنطقة، والقوى الإقليمية والدولية، فدول المنطقة تحاول أن تُقوي نفوذها على حساب بعضها، في حين تسعى القوى الدولية والإقليمية إلى تقوية نفوذها بإنشاء قواعد عسكرية، وتوقيع اتفاقات استراتيجية مع دول المنطقة.

فعملية إيجاد حلول عملية للأزمات القائمة مطلوبة في الوقت الحاضر، وإلا فإنه من المتوقع أن تكون هناك نتائج وخيمة على دول وشعوب المنطقة، إذ تقع على القيادات السياسية في دول المنطقة تحمل مسؤولياتها حيال هذه الأوضاع غير المستقرة، وعلى السودان بحكم علاقاته المتميزة مع دول وشعوب المنطقة، وموقعه الجغرافي المتميز أن يلعب دورًا مؤثرًا في تقريب وجهات النظر بين دول المنطقة، والحديث هنا عن إريتريا وإثيوبيا.

إذ يلاحظ في الآونة الأخيرة أن السودان شرع بعملية تطوير علاقاتة الثنائية مع جارته الشرقية إثيوبيا، فهناك حالة من التناغم التام بين البلدين على مختلف الصعد، ولكن كما يُقال: «إن في السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم»، فالمصالح هي من تحكم العلاقات في النهاية، ومن باب المناورة الاستراتيجية الفاعلة، ينبغي على السودان أن يطور علاقاتة مع إثيوبيا، ويدعم مواقفها في الملفات المختلفة، على أن لا يكون ذلك على حساب مصالح الدول الأخرى، وبعبارة أخرى عندما يدعم السودان أحقية إثيوبيا في استخدم نصيبها من مياه النيل، عليه أيضا أن يدافع عن حقوق مصر المائية، وبذلك تكون عملية الحياد الإيجابي فاعلة في هذا الملف المعقد.

أما بالنسبة للتوتر الأزلي القائم بين إثيوبيا وإريتريا، على السودان أيضًا أن لا ينساق وراء التحريض الإثيوبي، ويؤزم علاقتة بإريتريا، أو على السودان أن يتبع سياسة خارجية تجاة إريتريا بمنعزل عن المواقف الإثيوبية حيال إريتريا، ومن المعلوم أن إثيوبيا تسعى جاهدة لتغير النظام السياسي في إريتريا، ولكن ماذا لو تغير النظام فيها، وجيء بنظام حليف لإثيوبيا، ويناصب العداء للسودان، حينها علينا أن نتساءل كيف سيتأثر دور السودان الإقليمي؟

ماذا لو تغير النظام الإريتري؟

يمكن القول بأن النظام السياسي الإريتري لعب دورًا سلبيًا في استقرار السودان وأمنه القومي، إذ مثلت إريتريا ملجأً لجميع فصائل المعارضة السودانية بشقيها السياسي والعسكري، مما مثل تهديدًا للاستقرار والسلم الاجتماعي في السودان، وكما ساهمت في حملة التسقيط السياسي التي مارستها القوى الغربية ضد السودان، وبالرغم من كل هذه الأدوار السلبية التي مارسها النظام السياسي الإريتري!، عمل السودان على فتح أبوابه لجميع الفرص المؤدية إلى إيقاف هذه التصرفات، وفتح صفحة جديدة للعلاقات بين البلدين.

حيث إنه حتى فترة قريبة جدًا، كانت العلاقات السودانية الإريترية ممتازة، إذ فُتحت الحدود، وانتعشت التجارة، وتبادلت القيادات السياسية للبلدين الزيارات الرسمية، إلا أن صفة عدم الاستقرار في العلاقات بين البلدين كانت تفرض نفسها دائمًا، نتيجة الأدوار السياسية التي استمرت على أدائها إريتريا، والمهددة لأمن السودان واستقراره، وذلك بفتح أراضيها لقوى المعارضة السودانية، والجيش المصري مؤخرًا، مما دفع السودان إلى غلق الحدود بين البلدين، والدفع بتعزيزات عسكرية باتجاه مدينة كسلا الحدودية معها، من أجل تعزيز إجراءات الأمن الداخلي السوداني من أي تحديات أمنية غير متوقعة.

وإن عملية إغلاق الحدود بين البلدين، لن يتأثر منها السودان كما تتأثر منها إريتريا، فمن المعلوم إن إريتريا تعول كثيرًا على المنتجات السودانية، ومن المحتمل يؤدي هذا الوضع إلى أزمة اقتصادية يواجهها النظام الإريتري قد تتسبب في تغيره، مع تأكيدنا على أن تغير النظام في إريتريا ليس من صالح السودان، لأن بانهياره سيتدفق الملايين من اللاجئين إلى السودان، والذي سيؤثر على السودان من النواحي الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى ذلك سيخلف هذا النظام نظامًا مُقربًا من أديس أبابا، لأن السوادن قام بطرد المعارضة الإريترية، كجزء من مبادرات سودانية لتحسين العلاقات مع إريتريا، وبالتالي سيفقد السودان أهميتة الاستراتيجية بالنسبة لإثيوبيا، وهذا ما سيقلل من نفوذ السودان في المنظقة، ففي عالم تسوده الفوضى وعدم اليقين في السياسة الخارجية، يكثر الاحتفاظ بأوراق ضغط حيال القوى المشكوك بأدوارها، وبالتالي فإن عملية إعادة احتضان المعارضة الإريترية من جديد، قد يمثل خيارًا سياسيًا فاعلًا للمستقبل، ومن أجل الاحتفاظ بميزات سياسية سوادنية حيال أي عملية تغير سياسي قد تحصل في إريتريا، لأنه بالوضع القائم الآن، فإن المستفيد الأول والأخير من تغير النظام في إيتريا هي إثيوبيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد