الرواية

كتب الروائي السوداني الطيب صالح رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» وكانت من أحسن الروايات تعبيرًا عن الإبداع في السرد الروائي العربي جمالًا، ودقة في الأسلوب، وعذوبة في الكلمات وحبكة في نشج قصة ممزوجة من الشخصيات المتخيلة والواقعية في تمرير خطاب للكل عن حاجة الشرق في التقدم والتنمية وتجاوز فكرة الاستعمار.

يملكالطيب صالح نظرة عن الواقع وحيثيات المكان والزمان من زمن الأمس، وحاجة الأنا للتلاقح والمثاقفة مع الغرب، دون مركب نقص، أو الاستمرار في جلد الذات.

وعندما يسأل الطيب صالح عن شخصية مصطفى سعيد يكون الجواب بالطبع: ٱنها شخصية من نسج الخيال، ولا تعدو أن تكون صلة وصل بين الشرق والغرب. روح الشخصية التي سكنت المكان مدة من الزمن، ورحلت في بحث عن أفق جديد سرعان ما وجد مصطفى سعيد نفسه في دوامة من الصراع الفكري والثقافي في قلب المدنية الغربية. شكوك تساور الشخصية عن الازدواجية في التعامل والمفاضلة بين أبناء الاستعمار في بلدانهم وأبناء المستعمرات من الأفارقة.

التعجب والانبهار هو ما يميز الرواية التقليدية والحديثة في نفس الوقت من المدنية والتقدم والخطاب الموجه للداخل وخطاب الحقد والاستغلال الموجه لأبناء المستعمرات الخارجية.

مصطفى سعيد من مواليد الخرطوم 1888. عاش يتيم الأب ودخل المدرسة ودرس في السودان وانتقل إلى القاهرة عند أسرة انجليزية. كانت الإقامة قصيرة للعبور إلى لندن، مكان الدراسة والتحصيل والعيش، إنه الانتقال من السودان، البلد المستعمر الذي جاءه مدججًا بالسلاح والقوة، حان موعد الانتقام. لندن العلم، ولندن الاستعمار. إنها مفارقة عجيبة تلك التي لامسها مصطفى سعيد في الخطاب الدائر هناك في السودان، والخطاب الدائر هنا في لندن، فيكتشف زيف الحضارة القائمة على الحرية للذات، والقيود والنهب للآخر، جدلية الأنا والآخر في قلب مدينة لندن. وصراع الشرق والغرب في قلب المدنية الغربية.

لماذا كل هذا التناقض في الخطاب الموجه بالعداء والاستعمار للآخر؟ بلغ مصطفى سعيد من التحصيل العلمي والمعرفي في الجامعة الغربية درجات علمية في الاقتصاد. وعندما استيقظت في روحه نزعة الانتقام صاح قائلًا: «جئتكم غازيًا». فاختار الغازي الجنس كسلاح، ومن ثمة تحددت المرأة كموضوع للانتقام وللصراع بين الشرق والغرب.

اختار الراوي مجموعة من الأسماء ووصف بيت مصطفى سعيد بأوصاف تنم عن قيمة ما يتضمن من أشياء من الثقافة المحلية للتعبير عن قيمة المكان المستباح من قبل الاستعمار البريطاني. غرفة مصطفى سعيد هناك بمثابة مغناطيس يتضمن الصندل والند وريش النعام وتماثيل العاج والأبنوس والصور لغابات النحل وقوافل من الجمال تحب السير على كثبان الرمل على حدود اليمن وحقول الموز والبن في خط الاستواء والمعابد القديمة في منطقة النوبة.. حياة مصطفى سعيد في أيدي شقراوات الإنجليز.

يمرح ويمرحن معه في هيجان الرجل وبحثه عن المتعة للتنفيس عن الذات من سخطه العارم على الاستعمار للبلد، وفي روح الانتقام تهدأ عواصف الحقد الدفينة والسلاح هنا الجنس. كانت النساء تعتبرنه قوة بدنية بدائية قمة الحيوية والاندفاع والإشباع للرغبات والميولات. في مجتمع لا يبالي بالشرف وما شابه ذلك من أدبيات الشرق. القوة البديلة الآتية من إفريقيا والشرق تعوض النقص الحاصل في فتور القوة الجنسية للشباب هناك. لم يولد حب حقيقي وظلت العلاقة مبنية على الوهم والخداع والاستغلال المزدوج، تلك نظرة أخرى يروم من خلالها الطيب صالح القول بالتضاد الحتمي بين الشرق والغرب، بين الاستعمار وأسبابه الكامنة والظاهرة والتي دفعت الإنسيان الغربي في العبور لإفريقيا بحثًا عن النفائس وتغيير أحوال الناس بالقوة، مصطفى سعيد أول سوداني يدرس في إنجلترا وأول سوداني تزوج من إنجليزية، وأول سوداني أصبح محاضرًا في الجامعة الانجليزية، فهل يمكن أن تكون هذه الأسباب كفيلة بإذابة الجليد وعودة العلاقة قوية بين الشرق والغرب؟

عودة مصطفى سعيد للبلدة يعني الاستقرار وتفضيل الحياة هنا على القضاء بقية العمر هناك، إنه انتصار للأعماق وللهوية والذاكرة الجماعية، فالزواج ببنت البلدة حسنة بنت محمود قرارًا سليمًا.

فقد كان زواجًا مبني على الاقتناع والمساواة، عاطفة صادقة وتكللت العلاقة بإنجاب حسنة طفلين، فالراوي هنا يتدخل ليعبر من منطق آخر عن حياة لا تقل أهمية في الوصف عند عودة مصطفى سعيد إلى القرية وزواجه، ويعبر الراوي هنا عن قيمة الحياة في السودان الحديث، ويحاول أن يبعث صورة أخرى للقارئ عن المرأة والرجل والحياة بصفة عامة. رسالة أخرى من رسائل الطيب صالح نحو إرساء دعائم التنمية والتقدم لأفريقيا بصفة عامة والسودان بصفة أخرى ويبقى الاستعمار طيف غادرنا بمجرد أن دخل إلى أوطاننا وأصبح ذكرى من الماضي لا يمكن أن يؤثر فينا أو يصيبنا بالشلل الفكري والنفسي والإحباط. نداء للمثقفين والمفكرين للنهضة من جديد من القيم الذاتية ومن تاريخ القارة نحو الإقلاع والقضاء على جذور الاستبداد والظلم، وعندما يكمل الراوي رحلة السرد والقول يكون هناك تداخل كبير بين شخصية مصطفى سعيد والراوي ويمكن القول إن النوايا الصادقة للشخصيتين.
كانت موجهة بالأمل في الغد الأفضل للسودان وللقارة بصفة عامة، واختفاء مصطفى سعيد دليل على الطيف الذي غادرنا وبقيت أفكاره حاضرة في نفسية الرواي وفي نفوس الذين يحنون إلى مستقبل أفضل للأمم الأفريقية بعيدًا عن الصراع بين الشرق والغرب وبعيدًا عن منطق المواجهة بين الأنا والآخر. ظلت رواية الطيب صالح مسكون بهاجس العودة للذات في السحرية الواقعية وحنين المفكر الأفريقي نحو العودة للأصول، من أفريقيا.
القارة الواسعة والشاسعة بخيرات الأرض ونفائس الطبيعة التي تحايل عليها الاستعمار في استخراج كنوزها موزعًا خطاب للاستهلاك. ولما تمكن الإنسان الأفريقي من فهم اللعبة حاول أن يعود للوطن وأن يساهم في تنوير الناس والقول أننا لا نعاني من نقص، وأن الجهل مستبطن في لنفوس والظلم مرده لاستنبات الاستبداد وكل القوى المناهضة للتقدم والتنمية. واعتقد أن الطيب صالح لعب دور الراوي والسارد من بعيد ليكمل أفكار ورغبات مصطفى سعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد