بعد ظهور ثقب العنصرية بلونه الأسود وروائحه الكريهة ممثلًا في دونالد ترامب وفريقه المتعطش للصراع والشر يبقى السؤال: هل قرار الحظر الذي أصدره ترامب على مواطني الدول السبع باعتبارهم مسلمين أو باعتبارهم مواطنين من دول الشرق؟

وإذا تمكن هذا المارق من إنسانيته والمتمرد على ثوابت الحرية والديمقراطية داخل المجتمع الأمريكي من ضبط الأمور لصالحه والإمساك بكل الخيوط السياسية في الفترة القادمة، كيف ستكون العلاقة بين الشرق والغرب؟ أو بين الإسلام والغرب؟

وقبل الدخول في البحث عن إجابة لهذه الأسئلة لابد من تحديد المقصود بـ«الشرق» و«الغرب».

وهل دلالة مصطلح الشرق والغرب، تعني التقسيم باعتبار الجهة والمكان؟ أو هو تقسيم باعتبار الدين والقيم والمفاهيم الفكرية والثقافية؟
بمعنى آخر هل الشرق يعني الشرق الإسلامي، وهل الغرب يعني الغرب المسيحي؟ أم هو تقسيم جغرافي لا دخل للدين فيه؟

البعض عندما يطلق المصطلح «الشرق أو الغرب» يغلب جانب الدين باعتباره ديانة الأغلبية السكانية، ومن ثم فالتقسيم في نظر هؤلاء ديني لا جغرافي. ولذلك يقولون: الإسلام والغرب.

ويرد على هذا الرأي بأن الأديان كلها نشأت في الشرق ولم تنشأ في الغرب، أما أتباع هذه الأديان فمنهم من اختار المسيحية وعاش في الشرق فهو من أهل الشرق، ومنهم من اختار المسيحية وعاش في الغرب فهو من أهل الغرب، وكذلك الأمر نفسه بالنسبة للمسلمين واليهود، منهم مثلًا من اختار الإسلام أو اليهودية، وعاش في الغرب فهو من أهل الغرب، وبالمناسبة فإن ما يقرب من 59 مليون مسلم يعيشون في الغرب اليوم.
وكذلك من اختار الإسلام أو اليهودية وعاش في الشرق فهو من أهل الشرق، ومن ثم فلا علاقة في دلالة المصطلح على الجانب الديني إلا من باب التغليب.
ومعنى ذلك أنه يمكننا طرح السؤال على الشكل التالي. هل الشرق يمثل جهة جغرافية وطرفًا، أم يمثل قيمًا فكرية، ومعارف روحية وإنسانية؟
والغرب، هل يمثل جهة أخرى وطرفًا آخـر في الحوار أو في الصراع؟ أم أنه يمثل علمًا يتطور، وأفكارًا تتغير، وتكنولوجيا تجري ويجري خلفها العالم بسرعة مذهلة؟

إذا اعتمدنا الخيار الأخير «خيار القيم الفكرية والمعارف الروحية والإنسانية في الشرق وخيار التطور العلمي والتقدم التكنولوجي في الغرب، فسيكون الشرق هو منبع القيم والروحانيات، ويكون الغرب هو مصدر التطور العلمي والتقدم التكنولوجي والحداثة، ومن ثم يكون التعريف للطرفين تعريفًا «بالوظيفة» كما يقول علماء الاجتماع.

وقد لاحظنا أن الذي شاع في الفترة الأخيرة وربما لأهداف مقصودة هو التركيز على ثنائية التضاد والتناقض حين وُضع الإسلام في مقابل الغرب، أي على خطاب القطيعة والمفاصلة.

أصحاب هذا التوجه يرون أن هناك أجندة في مراكز القرار الكبرى تجاه دول الشرق، إلا أنها كانت مغلفة بغلاف رقيق يخفي المطامع، ويضع لها عنوانًا آخر باسم التعاون أو المصالح المشتركة، غير أن السيد دونالد ترامب نزع هذا القناع، وعبر عن الحالة بشكل كان صادمًا، فبعض الدول أو بعض المناطق لديه ليس لها أهمية غير دورها كبقرة حلوب يحلبها حتى يجف الضرع، ثم يذبحها ليأكلها، هكذا عبر ترامب عن بعض دول الخليج، ومن ثم فقد كان الرجل ظاهرة جديدة في وضوحها – ووقاحتها أيضًا – لأن العلاقات الدولية في أي صورة من صورها لم تتعود على هذا الأسلوب الفج، والدبلوماسية الأمريكية حتى في حالات الصراع والحرب الباردة لم تصل لهذا المستوى في التعامل مع الخصوم على الأقل في مستوياتها السياسية، حتى وإن كان الواقع يشهد لبلاد العم سام بالفضائح والفظائع من ثم فخطاب التقاطع والصدام هو الخطاب المعتمد لديه.

نلحظ أيضًا أن مرارة مصحوبة بحالة من الغضب تطفو فوق السطح كلما تطرق الحديث لعلاقة الإسلام بالغرب.

والمحللون لشئون العلاقة بين الشرق والغرب يقولون إن البواعث والدوافع لخطاب التقاطع والعداء من الشرق تجاه الغرب لم تنشأ من فراغ، وإنما تمثل رد فعل ليس فقط لممارسات الغرب الاستعماري نفسه وإنما أيضًا لفلسفته وتبنيه لسياسة اليمين المتطرف الذي يملأ الدنيا بالتشويه والتدليس والانتقاص من الإسلام ونبيه، وإشاعته لألوان من الأساطير والخرافات حول المسلمين وعقيدتهم ونبيهم، ويسوقون على ذلك أدلة من كتابات غربية مهدت لمناخ الصراع وهيأت الأرضية الخصبة التي تتولد فيها بذور الكراهية وينمو فيها التطرف ضد الإسلام والمسلمين، الأمر الذي نتج عنه ما يسمى «بالإسلاموفوبيا» ولم تكن هذه الحملة وليدة اليوم ولا كانت نتاجًا لأحداث 11 سبتمبر وإنما بدأت قبل ذلك بكثير وتبناها مفكرون يمينيون متطرفون.

وبغير شك هذه الرؤية تتضمن الكثير من الحقائق غير أنها يغلب عليها صفة التعميم، ونحن من خلال تجربتنا في بلاد الغرب وتراكم الخبرة لدينا نشعر أننا في كثير من الأحيان نقع في خطيئة تعميم الأحكام، لذلك نرجو ألا تغيب عن رؤيتنا الفكرية روح العدالة والإنصاف في التعامل مع الآخرين.

ونذكر الغاضبين بأننا نعلم أن ما يفعله ترامب هو تراكم لكم هائل من ثقافة الكراهية، وأن نظرية نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما ونظرية صراع الحضارات لصموئيل هنتنتجنتون لم تكن إلا صدى لهذه المدرسة السيئة التي يتولى كبرها بابيبس وتوماس فريدمان ومن قبل شيخهم المستشرق الصهيونى برنارد لويس.

نعلم أيضًا أن هذه الثقافة وفرت حجمًا هائلًا من التشويش والتشويه والتدليس لعلاقة الإسلام بالغرب، ولم تخضع هذه الثقافة لتنقية أو تصحيح أو نقد موضوعي، ومن ثم فقد ساهمت في صياغة عقول عدد ضخم من الساسة والمفكرين والأكادميين ومعاهد البحث العلمي.

وأعلم أيضًا أن وقفة الشعوب هناك ضد ترامب كانت بهذا التفاعل وبهذا الحجم لأن الحدث داخلي يمس قيم ودستور وقانون الشعب الأمريكي ولهذا كان هذا التفاعل وبهذا الحجم.

وبعد أن وقفنا، ووقف العالم مندهشًا بين الصدمة والإعجاب أمام ما يحدث هناك في عاصمة القرار الدولي أستأذن السادة الغاضبين أننا يجب أن نبحث عن مفاتيح تعيننا على فهم ما ورائيات الأحداث، وتفسر لنا كيف يقف شعب ضد قرارات رئيسه المنتخب ويقاضيه في محاكم الدولة من أجل مواطني دول أخرى، ثم يقف القضاء بجانب الشعب لينصر إرادته وينتصر لمنظومة القيم التي استقرت في الوجدان العام للمجتمع الأمريكي بينما الدول المعنية بقرار الحظر لم تحرك ساكنًا!

وبرغم حجة «مكافحة الإرهاب وأمن المجتمع» التي يتمسك بها الرئيس الأمريكي وهي ذات الحجة التي يستبيح بها أغلب حكام العالم الثالث كل المحرمات الوطنية من انتهاك للدستور، وتجاوزات للقانون، وهدر لحقوق الإنسان وكرامة الوطن كله، والإطاحة بالديمقراطية وبمن جادت بهم الديمقراطية، برغم هذه الحجة التي لا يسأل صاحبها أو مدعِيُها عما يفعل، إلا أن الشعب الأمريكي قرر الصدام مع مؤسسة الرئاسة والرئيس، وتصرف لا كأفراد فقط، وإنما كمنظومة قيم أخلاقية تلاقت عندها وعليها إرادة الجماهير تلاقيًا حرًا، فلما قرر الرئيس الاقتراب منها ومحاولة تجاوزها ولو بالحجة إياها، كانت المفاجآت التي شدت أنظار العالم بوقوف الشعب الأمريكي مع المستهدفين بقرارات ترامب ثم بهزيمته مرتين الأولى في المحكمة الابتدائية والثانية في محكمة الاستئناف.

غرابة الموقف وما فيه من عجب يمنح المراقبين وشعوب العالم دروسًا متعددة نجملها فيما يلي:

1. أن الحزب الحاكم شيء ومؤسسات الدولة شيء آخر، وأن ولاية الأول على الثاني ولاية إدارة وتشغيل وليس ولاية سيطرة وتغيير، وهذا درس تغيب معالمه ومقاصده ومعانيه في عالمنا العربي الكبير.

2. أن هناك فرقًا بين الرئيس وبين الدولة، فالدولة مجموعة من المؤسسات الصلبة ترتبط بمنظومة قيم، كما ترتبط بدستور وقانون، وخضوعها للرئيس في هذا الإطار، وليس خارجًا عنه، ومن ثم فلا عبرة لأهواء الرئيس إذا تصادمت مع ثوابت الجماعة الوطنية. وهذا درس آخر يجب أن تعيه النخب المثقفة في العالم العربي من أبناء وطن العروبة الأجاويد.

3. أن شعوب الغرب غير مراكز القرار، فالشعوب شيء، ومراكز القرار شيء آخر، فهم ليسوا سواء ومن ثم فلا يجوز تعميم الحكم عليهم. وهذا درس آخر يجب أن نعيه وأن نتعلمه ونتذكره حتى لا نفقد بسبب تعميم الأحكام التيار المحايد، لأنه في الأزمات والشدائد يمكن أن يأخذ موقع الظهير والسند لمواطني دول أخرى مكشوفة الظهر وربما مكشوفة العورات أيضًا، وهذا ما فعله الشعب الأمريكي خلال الشهر الأول من حكم ترامب، بينما عواصم دول الحظر لم تحرك ساكنًا ولم تنطق بحرف.

4. أن الإحساس بالحرية كقيمة سيادية لا يقبل المساومة أو التفريط، وأن الشعب الأمريكي يستحضر جيدًا أنه ثمرة هجرات متعددة فلا يجوز له أبدًا أن يتنكر لأصله، كما أن هذه التعددية كانت وما زالت مصدرًا للتنوع والثراء فلا يجوز لأحد مهما كان أن يلغيها ولو كان الرئيس المنتخب.

5. أن إرادة الشعوب تظل أعلى من قرارات الرئاسة إذا أراد الشعب أن يُفعِّل هذه الإرادة.

بقيت مجموعة من الأسئلة الهامة علينا أن نبحث لها عن إجابات قبل أن تفاجئنا الأحداث:

· بعد أن تهدأ العواصف وتستقر الأمور هل ستمكنه مؤسسات الدولة – وهي مؤسسات مستقلة – من أن يفعل ما يريد؟ أم أنها ستتمكن بمعونة الشعب الرافض لرؤيته وتوجهاته من أن تقص أجنحته المنفوشة كطاووس مغرور؟

· وبعد أن تهدأ فورة الغرور المصحوبة بنشوة النجاح في الانتخابات والممزوجة بالمراهقة السياسية هل ستكون علاقته بالعالم وبخاصة دول الجنوب علاقة حوار وتعاون أم صدام ومواجهة تستعلي بجنسها وعرقها وتستدعي من جديد نظرية صموئيل هنتنجنتون في صراع الحضارات؟

أسئلة تعكس بلا شك حالة من القلق وبخاصة لدى أهل الشرق ومن ينتسبون إليه دينًا وحضارة حيث هم أول المستهدفين في أجندة الملهم الجديد للتعصب والعنصرية.

بعض النخب الثقافية بالمناسبة تبدي إعجابها بتصرفات ترامب، وقد وصفه واحد من كبار أساتذة الفلسفة في منطقتنا العربية بأنه رسول من عند الله لحماية الحضارة!

بعدما شاهدت الفيديو لصاحب هذا الهزل تساءلت: لماذا يفضل بعض النخب عندنا أن يكون حمارًا؟

وما حكاية ظهور الرسل الجدد الذين كثر الحديث عنهم في مصر هذه الأيام لأسباب غير معلومة؟

المفتي العام للقارة الأسترالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد