كنت صغيرا في السن وقتها، عندما أخذ المعلمون يملئون رأسي بالأفكار السلفية الوهابية، كانوا يحثوننا على الفناء في سبيل الله، نشاهد في المدرسة أفلاما للمجاهدين في أفغانستان والشيشان، كانت هذه النماذج تقدم لنا على أنها النماذج الأفضل على مستوى العالم، يحثوننا على محاربة الغرب، قتلهم، سبي نسائهم، فرض الإسلام عليهم بالقوة.

 

 

هذا ما تعلمته في المملكة العربية السعودية، الدولة التي تزعم أن منهجها الديني هو الأصح في العالم، مستغلة ما تسيطر عليه من مقدسات، وبالطبع أموال النفط التي ينفق الكثير منها لإغلاق أفواه المعترضين على ذلك حول العالم.

 

 

شاءت الأقدار أن أترك المملكة منتقلا لمصر، وبدأت وسائل الإعلام والناس من حولي يحاولون إقناعي أن مصر هي العقبة الأكبر في وجه المخططات الصهيونية والأمريكية، ليقدم النظام المصري نفسه على أنه النموذج الأكثر وسطية وسماحة متمثلا في الإسلام الوسطي الجميل والأزهر الشريف، وأنه خط الدفاع الأول والأخير عن عالمنا العربي والإسلامي.

 

 

صدقت الأكذوبة الثانية لفترة من الزمن، كنت أقرأ وأتابع بصورة أكبر الأحداث من حولي، لأجد آخرون يقدمون أنفسهم على أنهم دولا للممانعة كسوريا وإيران وقطر، وذلك بعد أن وضعوا تصنيفا جديدا يصنف مصر والسعودية وآخرين إلى دولا مؤيدة للمشروع الأمريكي أو على الأقل يحاولون إيجاد صيغة تجنبهم الصدام مع إسرائيل والغرب، ويضعون أنفسهم في خانة الدول المتمسكة بممانعة المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

 

 

 

وما بين التأثر بهذه النماذج والانتقال لدعم نموذج على حساب نموذج آخر، فاجأنا الربيع العربي برياح التغير، تلك الرياح التي أسقطت ورقة التوت عن الجميع، على الأقل من منظوري الشخصي، فالسعودية هي النموذج الأكثر تناقضا ودموية وإضرارا بصورة الإسلام.

 

 

فمن رحم الوهابية نشأت جميع التنظيمات الإرهابية المتطرفة، التي تقتل على الهوية، بينما تشير جميع الشواهد والتصريحات من جميع المسئولين في البلدين أن السعودية نفسها هي الحليف الأول لأمريكا في المنطقة.

 

 

إما مصر فقد أجبرتها السياسة على إيجاد مساحات أكبر للتفاهم مع أمريكا وإسرائيل، ومع تدهور أوضاع الدولة يوما بعد يوم، تحولت التفاهمات الى تنازلات، والتنازلات إلى اتفاقات، والاتفاقات إلى تحالفات، والتحالفات إلى أعداء مشتركين، وبالتالي إلى تقارب في الرؤى السياسية وربما تطابقا في بعض الزوايا، صدر الغاز إلى إسرائيل وحوصرت غزة،

 

 

 

 

 

 

 

أما إيران وسوريا ودول الممانعة، فقد كشفت عن وجه لا يقل قباحة خلاصته، أما فرض أيدولوجيتي على الجميع أو لتحترق الارض بمن عليها، فقتل في سوريا مئات الآلاف بعد سنوات طويلة كان نظام الأسد يخشى فيها إطلاق رصاصة واحدة على إسرائيل.

 

 

 

 

 

ومع اشتعال الثورات أريقت الكثير والكثير من الدماء، قمع المعارضون، وقدمت المزيد من التنازلات والرشى من الأنظمة القمعية للغرب فقط من أجل البقاء، ولإبقاء الأوطان أو الشعوب خاضعة لنفس الأنظمة المستبدة.

 

 

احتجت إلى مراجعات فكرية واسعة، وإعادة تقييم لكل ما كنت أؤمن به من مسلمات، حتى لاح لي في الأفق السؤال الأهم:

 

 

 

 

ما هو الخطر الأكبر الذي يتهدد شعوبنا، أهي إسرائيل أم أنظمتنا العربية ؟

 

 

 

 

 

دعونا نستعرض بعض الاحصاءيات البسيطة، فهل تعلم عزيزي القارئ أن عدد من قتلتهم إسرائيل من الفلسطينيين في حرب 48 وفق وكالة الأنباء الفلسطينية “وفاة” 15 ألف فلسطيني، وأنه منذ انتفاضة الأقصى وحتى يومنا هذا قتل حوالي 10 آلاف فلسطيني، كما تشير الإحصائيات أن إسرائيل قتلت من الدول العربية مجتمعة حوالي 20 ألف جندي في نكبة عام 1967م.

 

 

 

 

 

خلاصة الحديث أن كل ما قتلته إسرائيل من الدول العربية مجتمعة منذ عام 1948م، وحتى يومنا هذا لا يتخطى الـ 100 ألف شهيد، ولسنا بحاجة للتأكيد بأي حال من الأحوال أن النظام الإسرائيلي من أسوأ الأنظمة في العالم وأكثرها عنصرية ودموية، ولكن لماذا لا نقارن أفعال إسرائيل بأفعال زعمائنا العرب !

 

 

 

 

 

لقد قتل القذافي في أحداث ثورة 17 من فبراير ما يقرب من 50 ألف ليبي، بينما تسبب النظام السوري في مقتل ما يزيد عن 200 ألف مواطن سوري إضافة إلى إصابة مليون ونصف بإصابات قوية وعاهات مستديمة، وفي مصر قتل عقب ثورة يناير وإلى يومنا هذا ما يقرب من 10 آلاف مصري.

 

 

 

 

 

وبغض النظر عن ما سبق هذه المجازر من مجازر قمعية أخرى قامت بها نفس الأنظمة من قبل أو أنظمة أخرى، فقد تسبب صدام حسين في قتل مئات الآلاف من العراقين سواء بالقمع أو بتوريطهم في حروب،

 

 

 

 

 

لم يكن هناك حاجة فعلية لخوضها، كما تسببت ممارسات نظام البشير خلال ما يعرف بالحرب الأهلية التي انتهت بانفصال الجنوب في مقتل ما يقرب من 2 مليون سوداني، وتهجير 4 ملايين آخرين.

 

 

 

 

 

هذه أمثلة بسيطة لما فعلته بنا الأنظمة العربية، وعن المستقبل الذي ينتظرنا تحت راية هؤلاء القادة الذين يدعون القيم النبيلة، ولكي نحصر جميع الضحايا الذين سقطوا على أيدي أنظمتنا العربية،

 

 

 

 

 

فنحن في حاجة إلى عشرات المقالات، ولكن يكفينا أن نذكر بما ارتكب من مجازر في اليمن والمغرب والجزائر وسوريا والسعودية والبحرين وتونس والأردن وغيرها من الدول العربية على مدار عشرات السنين.

 

 

 

 

 

يا أيتها الشعوب الحرة، أنا مؤمن إيمانا تاما أن العدو الإسرائيلي خطر حقيقي يتهددنا جميعا، وإن ممارسات الغرب تجاهنا في غاية السوء والخطورة والازدواجية،

 

 

 

 

 

لكن الواقع الأليم يقول: إن أنظمتنا التي ندافع عنها خوفا من المخططات الخارجية هي أنظمة أكثر سوء ودموية من نظيراتها في الغرب وإسرائيل، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن هذه الأنظمة الغربية لا تمارس سياسات القتل مع مواطنيها، بل تمارسه مع ضد الطرف الآخر أو أعدائها إذا جازت التسمية، بعكس أنظمتنا التي تمارس أبشع أنواع القتل والتعذيب والتهجير تجاه شعوبها المستضعفة.

 

 

 

نحن في حاجة قوية لمواجهة المخاطر الخارجية التي تتهددنا، ولكن علينا أولا أن نتخلص من عبء الأنظمة التي تقتلنا ليل نهار، يا عزيزي العربي، لا تعتقد للحظة أن دعمك لتلك الأنظمة القمعية أمر واجب كي لا تنهار جبهتنا الداخلية في مواجهة الغرب،

 

 

 

 

 

 

فالحقيقة وكل الشواهد تقول إن أنظمتنا لا تفكر في معاداة الغرب، ولا حتى معاندتهم، بل هي تفكر فقط في نشر الجهل في عقول شعوبها، كسر إراداتهم، وإخضاعهم بأي وسيلة كانت.

 

 

 

 

 

يا أيها العربي! إن إسقاط هذه الأنظمة المستبدة التي تحكمنا يجب أن يكون الخيار والهدف الأول والثاني والثالث لنا، فلن تقوم لنا قائمة ولن تتوقف أنهار الدماء، إلا عندما نتوقف أولا عن قتل أنفسنا، ولا تبالغ يا عزيزي من خوفك من الغرب، فبأي حال من الأحوال لن يقتلوا منا أكثر ممن تم قتلهم بأيدينا، وبأيدي قادتنا وأنظمتنا القمعية.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد