لم لا يطالب الرجال بالمساواة مع المرأة في مجتمعاتنا الشرقية؟

هكذا سألني صديقٌ لي ذات مرة، ومثلكم تمامًا أخذتني الدهشة لأول وهلة ولكن سرعان ما نبّٙه فيّٙ السؤال واقعًا ورسم الكثير من علامات الاستفهام والتعجب؟!

السؤال يبدأ مع بداية القرن العشرين عندما مزقت المرأة المصرية بُرقعها وخلعت عنها حجاب عفتها وخرجت من بيتها سعيًا وراء العلم والعمل.

انطلقت المرأة في السوق وفي المؤسسة وفي الطرق تناطح الرجل وتباريه وتنادي بالمساواة المزعومة بصوت كان رقيقًا يومًا ما.

وضربت موجة التغريب سفينة المجتمع الشرقي وانكب المنهزمون تحت وطأة الثقافة الغالبة يترجمون لنا ما وصل إليه ذوو العيون الزرقاء، وبدأت عملية طمس ملامح المجتمع وانتحال نحلة الغرب واتباع سنتهم حذو القدّٙة بالقدة.

لكن ليتهم كانوا حُذّٙاقًا في محاكاة الغرب ومن ثمّٙ طبقوا مدنيتهم كما أرادها مُنظِّروها، فهاهم لم يزيدوا على أن مرروا لنا مدنية مشوهةً غير واضحة المعالم، مدنيةٌ منبوذة كطفل السِّفاح يتنكر له أبواه.

يتنكر لها الغرب لأنها لا تزال مصبوغة بالمسحة الشرقية، وكذا يتنكر لها الدين وتهون عليه كما هان هو على أصحابها من قبل.

رسموا لنا المدنية كتلك الصورة البشعة التي يرسمها الطفل الأبله ويدّٙعي أنها صورة إنسان، ولكن هي في أحسن الأحوال لا تتعدي أن تكون مسخًا للإنسان.

ويأبى القدر إلا أن يسخر منا جميعًا سواء من ضرب بسهمٍ في عملية التغريب أو من التزم مقعدًا في مدرجات المشاهدين.

وهذا ديدن المجتمعات الشرقية في عدم الاكتفاء باستيراد الرذائل كما هي مُفرَدة، بل نضيف عليها جهلنا وضعفنا فإذا بالرذائل تأتينا كتائب كتائب.

فقد اهتزت المرأة العربية طربًا عندما وقعت نغمات المساواة على مسامعها، وسارت مع تيار الإعلام الذي صورها بالضحية التي تتكالب عليها الأوامر والنواهي ويتربص لها الدين والتقاليد من كل جانب في هذا المجتمع الذكوري المتسلط.

واستقبلت المرأة الشرقية إشارات التغريب وعدَّلت بوصلتها نحو المساواة بالرجل في كل شيء، ولكن الواقع يشهد بخلاف ذلك، فصاحب السؤال في مقدمة الحديث يعمل معيدًا في كلية الهندسة والذي دفعه إلى هذا السؤال الغريب هو عدم إتقان المرأة الشرقية لمحاكاة المدنية الأوروبية، فالمرأة الشرقية تريد أن تشارك الرجل بسهم في كل شيء ولكن اسمًا فقط، وعندما يتعلق الأمر بالمسؤولية أو التكاليف في العمل أو في المواصلات فهي بحكم أنوثتها تستعطف مروءة الرجل وتستدعي ما تبقى فيه من الطبع الشرقي الجبلي.

أين المساواة عندما تقتلين الرجل بنظراتك مستعطفة إياه أن يقوم ويُجلسك على مقعده في المترو، أين المساواة حين يحمل الرجل عن المرأة العمل الزائد بحكم أنها أنثى ضعيفة، أين المساواة في الأجازات التي تأخذها المرأة بحكم طبيعتها.

نحن في هذا المقام لا نريد منك أيتها الفيمينست الشرقية أن تنحرفي عن طريقك نحو مدنية أوروبا، ولكن نريد قليلًا من العدل والمصداقية، فالمدنية ليست ثوبًا جميلًا ترتدينه أو تطريحنه عنك حسب الحاجة وحسب الموقف.

هذا باعتبار صحة اختيار طريق المدنية وسلامة مآلاتها، أمّا إن افترضنا أنهنَّ أحسنَّ محاكاتهنَّ لأوروبا وطبقنَّ المدنية كما أرادها مُنظِّروها، إلى أي مدى كان سيؤول إليه حالنا باعتبارها نتيجة مباشرة وغير مباشرة لهذا الفرض؟

وهل تطبيق مبادئ وأصول الليبرالية -ومنها المساواة بين الجنسين إطلاقًا-في الشرق ستكون مطابقة لنظيرتها في الغرب؟

هل الشرقيون باتوا مؤهلين لتخطي تلك الخطوة المحورية؟

يُتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد