إتمامًا لحديثي في المقال المنشور في المقال الماضي، الذي ذكرت فيه أن مصير الطغاة والمستبدين مهما امتد بهم الزمان سيكون شنيعًا ومروعًا، وان نظام الأسد وحلفاؤه الروس وإيران، هم من الطغاة الذين ارتكبوا أفظع جرائم الحرب على مدى سبع سنوات، وكان من جملة الأهوال والمآسي التي فعلوها والتي ينخلع لها القلب، هو تقتيلهم الأبرياء في الغوطة الشرقية خنقا بغازات الكلور والسارين المحرمة دوليًا، وذكرت أن قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي توحي بالجدية والأخذ على أيدي الظالمين ومعاقبتهم، إنما هي شقشقة لسان يتقاذفونها في ناديهم الكبير، وهي وإن كان ظاهرها مناصرة وحماية المدنيين والأبرياء وحقوق الإنسان، إلا أنها في واقع الأمر تعلن صراحة عن موت الضمير الإنساني، واللامبالاة بحقوق الإنسان التي يتشدقون بها، مهما كانت في ذلك فظاعة وبشاعة الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية!

إتمامًا لذلك، فقد وصفت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، يوم السبت الماضي علي دمشق، والتي كانت تستهدف المنشآت المتوقع بها مخزون الأسلحة الكيمائية، وصفتها بأنها عملية محدودة ولا تستهدف تغيير الحكومة السورية، وإنما ردعها عن استخدام الأسلحة الكيمائية! أول ما يستشف من حديثها هو القبول الضمني باستمرار القتل والإبادة الجماعية والتهجير في سوريا، لأن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لا يعنيها في الأمر الذي جيشت له جيوشها إلا تدمير الأسلحة الكيمائية، أما غير الكيمائية فإنه لا شان لها بها، حتى وإن تواصلت أعمال القتل والإبادة بالأسلحة التقليدية سبعة سنوات كاملة أخرى! وهذا من شأنه أن يجعلهم في حالة واحدة مع الطغاة والقتلة الحقيقيين (نظام الأسد وحلفاؤه)، وكان الذي يفترض أن تقوم به هذه الدول الثلاثة هو تدمير الأسلحة الكيمائية، وتدمير النظام الذي يستخدم الأسلحة الكيمائية وغير الكيمائية؛ لأن الأبرياء والمدنيين يموتون بالأسلحة الكيمائية بغازات السارين والكلور، ويموتون بغيرها، وهي – فيما أرى – إستراتيجية ونهج تتخذه الولايات المتحدة، تحاول به كسب رضا جميع الأطراف دون الانزلاق في مواجهة مكشوفة مع روسيا وإيران، وهو نفس النهج الذي دعا باراك اوباما لأن يعقد اتفاقًا مع روسيا، يتم بموجبه تسليم مخزون الأسلحة الكيمائية إلي منظمة حظر الأسلحة الكيمائية على أن تلغى عملية الهجوم المزمعة إذ ذاك، في وقت كان الجيش الأمريكي يعلن جهوزية تامة.

غير أنه لا شي يضمن لماي عدم عودة النظام الذي لم تستهدف العملية العسكرية تغييره حسب ما ذكرت في قولها، إلي استخدام هذه الأسلحة الكيمائية ليتابع بها أعمال القتل والإبادة، ومع هذا فإنها ليست المرة الأولي التي يقصف فيها النظام وحلفاؤه المدن السورية بالأسلحة الكيمائية، لا شيء يضمن ذلك أو يتوقع من النظام الدموي الذي هجر ما يقارب اثني عشر مليون من السوريين خارج سوريا، وقتل مئات الآلاف منهم في أسوا المذابح التي ترتكب بحق المدنيين.

  وفي الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا أزمات وضغوطا داخلية، مثل الضغوط التي تتعرض لها ماي من تداعيات استفتاء البريكست وقتل الجاسوس الروسي سكريبال، والضغوط التي تواجه ترامب بسبب فضيحة تزوير الانتخابات الرئاسية، التي يلاحقه فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي يؤكد تورط روسيا في التخطيط والتخريب السيبراني للتأثير في العملية الانتخابية، وتواطؤ ترامب وجنرالات في الحكومة الأمريكية مع بوتين، والضغوط التي يواجهها ماكرون، الذي أعلن أمام العالم في العام الماضي أنه (إذا وضعت خطوطًا حمراء، وكنت غير قادر على فرضها، فإنك من تقرر أن تكون ضعيفًا) فإن تدمير الأسلحة الكيمائية، يمثل لهم مخرجًا مناسبًا لصرف الأنظار عن أزماتهم الداخلية أولًا، ويؤكد من ثم هذا المخرج قيادتهم وظهورهم بمظهر قوي وأمين أمام العالم ثانيًا، ولأنهم يدافعون عن حقوق الإنسان ويعملون علي وقف نزيف الدم العربي المباح ثالثًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد