يستكثر علينا بعض المتشددين الاستماع بيوم من قديم الأزل، هو عيد اجتماعي قومي بدخول الربيع، لا علاقه له بمبادئ أو عقائد دينية، لا في أصل الاحتفال، ولا في مظاهره، ولا في وسائله، وإنما هو محض احتفال وطني رُوعِيَ فيه مشاركة سائر أطياف الوطن، بما يقوي الرابطة الاجتماعية والانتماء الوطني.

يجلس هذا المتشدد على مقعده المجاني على مواقع التواصل الاجتماعي، واضعًا رجلًا فوق أخرى، وبكلمات تملؤها الثقة يحذر المصريين من الاحتفال بشم النسيم، واضعا سعادتهم بين مطرقة البدعة، وسندان الحرام.

للأسف ينظر إلى الحياة من منظور واحد، ويفهمها من رأي واحد؛ متجاهلًا أن هناك الكثير من الفتاوى التي تبيح الاحتفال، متناسيًا القاعدة الفقهية المشهورة «الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه»، ولكنه يصر على قطع السعادة، وإشاعة الغم؛ بذريعة البدعة والحرام، ولكن من قال إن الدين جاء ليمنع السرور، أو ليبطل مفعول البهجة.

وحتى لا تجد هذه الفتاوى صداها، أذكر بعض الفتاوى التي تبيح الاحتفال بشم النسيم:

بداية أشير إلى قصة أوردها ابن زولاق في كتابه «فضائل مصر وأخبارها» بأن الصحابي الجليل عمرو بن العاص – رضي الله عنه- والي مصر يخطب المصريين في كل عام، ويحضّهم على الخروج للربيع؛ وذلك في نهاية فصل الشتاء، وأول فصل الربيع.

قال د. شوقي علام، مفتي الجمهورية، في فتوى له نشرتها الصفحة الرسمية لدار الإفتاء عبر «فيسبوك»، إن شم النسيم من العادات المصرية التي لا توجد فيها من الطقوس ما يخالف الشريعة الإسلامية، ومن المعروف والمقرر أن العادات والأعراف، طالما أنها لا تخالف الشرع فهي جائزة.

وفي فتوى للشيخ أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن، بجامعة الأزهر، قال إن: «شم النسيم عيد مصري اجتماعي قديم، لا علاقة له بمعتقدات دينية، والله تعالى ذكره في سورة طه حكاية عن سيدنا موسى في مبارزة السحرة (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) فهو عيد مصري قديم، من أكثر من 4 آلاف سنة، واختاره سيدنا موسى لاجتماع المصريين على ضفاف النيل؛ فهذه مناسبة اجتماعية، لا شأن لها بحلال أو حرام، ولا نلتفت إلى قول الجهلاء والسفهاء، وأقول للناس اخرجوا إلى المنتزهات وافرحوا.

وفي فتوى للدكتور مبروك عطية، عميد كلية الدراسات الإسلامية، بجامعة الأزهر الشريف، قال إن أكل الفسيخ والرنجة في شم النسيم حلال، ويكون حرامًا فقط حال كونه يتسبب في ضرر لمن يتناوله، مشددًا على أن الاحتفال بشم النسيم حلال، معقبًا: «الناس خارجة تتفسح وتتصور مالهاش علاقة بالأديان».

وفي فتوى للدكتور عبد الحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أن الاحتفال بيوم شم النسيم جائز ومشروع، لأنه عيد اجتماعي كغيره من الأعياد الاجتماعية، التي لها دلالات اجتماعية في نفوس المصريين، وليست أعيادًا دينية على النحو الذي يردده البعض.

وأضاف أستاذ الفقه المقارن في فتوى له عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن هناك بعض من يتصدرون للفتوى في وسائل الإعلام وغيرها، يكدرون على الناس فرحتهم في هذا اليوم، ويقولون إن في هذا الاحتفال تشبه بغير المسلمين، ومن تشبه بقوم فهو منهم، إلى غير ذلك مما يسوقه القائلون بهذا الاتجاه.

مؤكدًا أن ما يردده القائلون بالمنع بأن هذا الاحتفال تشبه بغير المسلمين، ومن تشبه بقوم فهو منهم، فهذا الكلام غير سديد؛ لأن المراد التشبه في أمور العقيدة، أما سائر أمور الحياة، فلا بأس فيها بمتابعة غير المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد