إن التوترات الجارية في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط –بين تركيا من جهة، واليونان وفرنسا وإيطاليا من جهة أخرى، مع إضافة مصر معهم أيضًا- حيث إن هذه الأحداث تتوازى في تشبيهها لتلك الأحداث والخطط التي كانت تحاك ضد الدولة العثمانية في فترة ما قبل السلطان عبد الحميد الثاني وكانت ذروتها في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني رحمة الله لأنه كان سدًا منيعًا ضد هذه المؤامرات، وما بعده حيث أتت ثمار هذه المحاولات بتفتيت الدولة لدويلات لا حول لها ولا قوة.

كما أن نفس الدول تقريبًا هي نفسها من تشارك في حملة التدخلات شرق المتوسط، فلا يمكننا أن نستثني الأب والأم كل من بريطانيا وفرنسا والأبناء كاليونان وإيطاليا، وهنا يمكننا حذف مصر من المعادلة كونها في تلك الفترة كانت ما تزال تحترم دينها الإسلامي وكانت دولة تابعة للدولة الإسلامية العثمانية (عن الزمرة الحاكمة أتحدث لا الشعوب).

حيث كانت فرنسا وبريطانيا مع الرعاع اليوناني الذين كانوا تحت حكم العثمانيين –فقد كانت اليونان أرضًا إسلامية فتحها العثمانيون- ودائمًا ما كانوا يحيكون الخط هنا وهناك لإضعاف الدولة الإسلامية، فهذا هدف الصليبيين منذ نشوء الدولة الإسلامية فما وصل الفتح الإسلامي إلى بلاد الشام حتى بدأت الحملات الصليبية تنهال على المسلمين حملة تلو الأخرى، ورجوعًا للموضوع فقد كانت بريطانيا وفرنسا يقسمان الأدوار بينهما فمنهم من يهتم بأطراف الدولة كبريطانيا التي عملت على نخر الدولة في جزيرة العرب والشام وحثهم للخروج على الدولة الإسلامية التي كانت وقتها قد ضعفت بعزل السلطان عبدالحميد الثاني من خلال الخطط والمؤامرات التي عملت عليها فرنسا، كما لا ينسى لفرنسا أنها ساهمت في نشوء الأحزاب القومية التركية والعربية وصنعت الأحزاب القومية العربية والتركية في باريس وصدرتهم لنخر الدولة الإسلامية بنيران القومية.

فالقومية هي اتّجاه عقائدي سياسي أيديولوجي يؤمن بقيام «الدولة أو الأمّة» فنشأت في أوروبا في القرن التاسع عشر وهو من صنعها.

في عام 1889 بدأت الحركة القومية التركية -من خلال جمعية تركيا الفتاة- في صفوف الطلاب العسكريين وامتدت بعدها لتشمل قطاعات أخرى وبدعم من فرنسا، وكانت بدايتها كممانعة للسلطة المطلقة للسلطان عبد الحميد الثاني. ففي عام 1906م تأسست جمعية الاتحاد والترقي، وضمت الجمعية معظم أعضاء تركيا الفتاة. بنت الحركة واقعا جديدا للانشقاقات التي صاغت الحياة الثقافية، والسياسية والفنية للإمبراطورية العثمانية في الفترة الأخيرة قبل إلغائها.

وفي عام 1909م تم إنشاء الجمعية العربية الفتاة على يد مجموعة من الطلاب العرب في باريس، وفي عام 1913 اجتمع بعض المفكرين والسياسيين العرب في باريس في المؤتمر العربي الأول. وتوصلوا إلى قائمة من المطالب للحكم الذاتي داخل الدولة العثمانية –التي كانت تحكمها وتسيطر عليها في تلك الفترة جمعية الاتحاد والترقي- وطالبوا كذلك ألا يُطلب من المجندين العرب في الجيش العثماني أن يخدموا خارج أقاليمهم إلا في وقت الحرب.

وعلى هذا النهج تم بناء الأحزاب القومية في الدولة الإسلامية، وكانت هذه الأحزاب الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فكانت اللبنة الأولى لانهيار الدولة الإسلامية وتقسيم الدولة لدويلات صغيرة لا حول لها ولا قوة.

وبعد هدم الدولة الإسلامية وبقاء الدول العربية وتركيا دولا ضعيفة وهزيلة ويتم إضعافهم أكثر فأكثر يومًا بعد يوم، وذلك من مسلسل التدخلات في الشؤون الداخلية والخارجية وتلقي الأوامر وخلق الصراعات والتوترات في المنطقة، لكن مع تغير الأوضاع السياسية في تركيا من السيئ إلى الأفضل، وقدرتها على مقارعة الكبار ووجودها كلاعب أساسي يعد من الأقوى في المنطقة، أعادت هذه الدول الذاكرة إلى الوراء قليلًا من خلال عملها على خلق الصراعات في المنطقة لتبقى هذه الدول ثابتة في مكانها من أجل ما يسمى بحفظ الأمن الداخلي وعدم الدخول في صراعات تنهك دول المنطقة.

وبسبب هذه الألاعيب فها هو الزمان يعود مائة عام للوراء بأشخاص جدد وأدوات مختلفة وطرق جديدة، حيث عملوا على تخريب الدول العربية بشكل كامل منذ تفتيت الدولة العثمانية، حيث يعملون الآن على حياكة الخطط حول تركيا التي نشأت وخرجت من تبعيات انهيار الدولة العثمانية وإبقائها محاصرة في مياه البحر المتوسط.

فشروط معاهدة لوزان ورسمها لحدود تركيا الحديثة لم يكن عن عبث ولم يكم محض صدفة، فهم ليسوا نحن ننظر أمامنا ليوم واحد إذا نظرنا، حيث عملوا على ضم فتات الجزر المحاذية للشواطئ التركية ومنها ما يبعد مترين عن هذه الشواطئ، هذا العمل يعمل على خنق تركيا بحريًا وعدم وجود منفس لها داخل البحر الأبيض المتوسط، فالبحرية الإسلامية العثمانية كانت الأقوى بلا منازع والغرب يعلمون تمامًا كم كانت البحرية العثمانية قاسية على الغرب وكيف قامت بدك حصونهم على امتداد شاطئ البحر الأبيض، لذلك كان لا بد من قص جناح تركيا البحري خوفًا من هودة أي نشاط عثماني فيها كونها كانت مقر الخلافة الإسلامية، ومن أوصل بتركيا إلى هذه المرحلة في بحر كانت تملكه عندما كانت مركز الخلافة الإسلامية هو العميل الأكبر مصطفى كمال أتاتورك الذي وافق على شروط الدول المنتصرة بخنق تركيا بحريًا وهي الدولة التي تمتلك أطول شاطئ في البحر المتوسط.

هذا الترسيم يعمل على منع تركيا من الاستفادة من موارد الطاقة في مياه شرق المتوسط، الطاقة التي تنهك الخزينة التركية بـ50 مليار دولار سنويا، وتركيا مثلها مثل أي بلد سواء في المنطقة أو العالم لها الحق في القيام بالبحث على مصادر للطاقة حتى لا يتم إنهاك الميزانية لهذه الدول.

فإسرائيل ذلك البلد الصهيوني المحتل والمغتصب للأراضي الفلسطينية التي كانت سببًا رئيسًا في عزل السلطان عبدالحميد الثاني لعدم قبوله إعطاءها لليهود، فها هو يقوم باستخراج الغاز والنفط قبالة سواحل فلسطين المحتلة ولا أحد يحرك ساكنًا وتحديدًا دولة مصر التي تضع يدها حاليًا بيد اليونان وإسرائيل وإيطاليا وفرنسا للعمل على التضييق على تركيا ومنعها من استخراج أي موارد طبيعية من مياه شرق البحر المتوسط.

ما تم عرضة في الأعلى حول القومية تارة والدولة العثمانية تارة أخرى ما هو إلى لتبيان التشابه بين ما حصل من مائة عام وما يحدث حاليًا، من خلق للصراعات في شرق المتوسط والعمل على خلق خلافات ما بين تركيا والدول العربية وهو ما كان سابقًا بين القومية التركية والقومية العربية ما عمل على تفتيت الدولة، وأيضًا العمل على إضعاف هذه الدول طيلة الأيام السابقة وإلى الآن.

الغرب لا يمكن أن يكون يومًا ما صديقًا ودودًا للعرب والمسلمين، فالأحداث الجارية حاليًا ما هي إلا استكمال للحروب الصليبية التي نشأت منذ فجر الإسلام وما زالت فعالةً لغاية يومنا هذا باختلاف الأدوات والأساليب والطرق التي كانت سابقًا، لكن الأمر من هذا كله هو قيام الدول العربية بإشعال فتيل العداوة بينهم وبين تركيا إرث مقر دولة الخلافة، واعتبار أن دولة الخلافة هي استعمار للعرب!

فالإسلام لم يدخل في تحليلاتهم لانهم يعلمون أن الإسلام لا يفرق بين قومية وأخرى ولا عربي ولا أعجمي، لذلك يصفونها بالدولة الاستعمارية والعرب يرددون هذا بكل غباوة، فلو أراد العرب أن يأخذوا هذا المنطق إسلاميًا لتوقفوا عن ذلك. وبهذا يعد المحتلون الغرب كبريطانيا وفرنسا دولًا محررة من الاحتلال والاستعمار العثماني بحسب وصفهم.

كما لا ننسى اتباع القومية التركية أيضًا الذين لا يختلفون عن اتباع القومية العربية بشيء سواء في التصرفات أو الأقوال، فهؤلاء الطرفان اللذان تأسسا في فرنسا وعلى أيدي صليبيين مخضرمين، يعلمان كل العلم أن ما جرى هو بسبب طمعهم وعمالتهم وخيانتهم لأمتهم الإسلامية، التي ما زالنا نعاني من آثار هذا العمل لغاية يومنا هذا.

لم نكتب هذا مدحًا بتركيا أو العثمانيين، بل هذا ما جرى ويجري فعليًا ليس أكثر ولا يعد سبب الانهيار محصورًا على العرب بل هو مشترك بين القوميين العرب والأتراك، فدول الغرب ليس من مصلحتهم قيام دول إسلامية في المنطقة متعاونةً مع بعضها البعض سياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد