بين الحرية وضغط المجتمع
في أول أيام رمضان المبارك وككل سنة عاد للساحة من جديد في كل العالم الإسلامي موضوع الإفطار العلني بين مؤيد ومعارض وتستمر الحالة في صراع هكذا لمدة شهر كامل بدون فائدة ترجى.
وينقسم المعارضون لقسمين، قسم أول متعصب يرى أن مجرد الإفطار في رمضان له عقوبة شديدة يجب أن يعاقب عليها مرتكبها، لأنه خالف أمرًا من أوامر الله وقد تصل العقوبة عند بعض المتعصبين إلى الموت وتجدهم يهددون كل من له نية بالإفطار بالقتل أو بالضرب وتصل أحيانًا إلى تشويه سمعة الفاطر، وكأن هؤلاء يرون في أنفسهم خليفة الله في الأرض ولهم أحقية في الانتقام أو معاقبة من يخرج عن أمر الله، ولا يفعل هذا إلا السفيه ومن هو أصلًا خارج عن أمر الله.
وقسم ثان أقل تعصبًا من القسم الأول، وهو قسم يرى الإفطار العلني شيء غير مرغوب فيه، ولكنه لا يرى مشكلة في الإفطار الفردي الذي لا يكون علنيًّا، وهو للأسف ما يحدث في الأغلب في مجتمعنا، حيث أغلب أو كل المفطرين في رمضان لا يفطرون في الشارع أو أمام صائمين ليس احترامًا لهم مع أن الأكثرية يحترمون شعيرة الصوم عند المسلمين، لكن لا يقومون بذلك خوفًا على حياتهم والمشاكل التي سوف تترتب بعد ذلك، فمثلا لنتكلم عن بلدي الجزائر.
الجزائر هي دولة شمال أفريقية لا تختلف عن جيرانها المغاربة ولا عن أشقائها المسلمين الآخرين في هذا الموضوع كثيرًا، حيث إن كنت مفطرًا وشربت قطرة ماء أمام شرطي بالخطأ فتأكد من أنك سوف تجتاز يومك داخل مقر الشرطة، حيث سيقومون بالتحقيق معك وكأنك مجرم وقمت بجريمة تهدد الأمن، وسيصبح ذلك الشرطي البسيط الذي كان لا يترك سيجارته إمامًا وفقيهًا لا يترك المصحف والسواك أبدًا وسيصبح واحدًا من ملائكة الله، وقد يتهمك بأشياء أنت لم تقم بها فقط لكي تعاقب وتدخل السجن، هذا إن لم يكتب في تقريره عن جريمة عقوبتها غرامة تثقل كتفك فقط.
وهذا كله معروف للكثير من غير المسلمين الجزائريين (أي لا أقصد الملحدين فقط) الذي عاشوا هذه التجربة المخيفة مرة على الأقل في حياتهم والكثير من السيناريوهات الأخرى، وهذا يدعو إلى البحث عن عقوبة الفاطرين الجزائريين فوجدت وأنا أبحث في موقع مجمع الشروق الإخباري وهو مجمع إعلامي جزائري يمتلك بوابة إلكترونية نشيطة وجرائد وقنوات تلفزيونية تصدرت في قائمة أكثر القنوات مشاهدة في الجزائر بل أخدت أحد قنواتهم وهي الشروق تيفي المركز الأول بعد صبر آراء تم القيام به في هذا الأسبوع وهذا يعني أنه كل كلمة من هذا المجمع في أي فرع من فروعهم له صدى في المجتمع الجزائري بكل أطيافه، الذي يعد من أحد أكثر الشعوب متابعة للتلفاز في العالم المغاربي، فوجدت مقالًا نشر في اليوم الثامن من شهر أغسطس.
 (معلومة : يعرف بشهر آب في الشام وهي تسمية سريانية وعبرية وأوت في تونس والجزائر وهي تسمية فرنسية وشهر غشت وهي التسمية الأمازيغية لهذا الشهر وهذه التسمية معتمدة في كل من المملكة المغربية وموريتانيا).
 سنة 2013 وناشره هو قبائلي يدعى فوزي أوصديق يتحدث عن أحداث حدتث في إحدى ساحات ولاية تيزي وزو الجزائرية حيث تم القيام بإفطار علني جماعي، وقد لقب الكاتب هؤلاء المفطرين بالشرذمة التي لا تمثل إلا نفسها ومؤشرًا على مجهرية عدد المفطرين في الجزائر، لكن يبدو أن فوزي أوصديق معه حق عندما قال عنهم بأنهم فئة لا تمثل إلا نفسها فحتى الصائم فهو لا يمثل إلا نفسه فصومه ليس ذا فائدة جماعية، بل هو منفعة لنفسه مع الله في يوم الحساب ولكنه أخطأ عندما أشار لمجهرية المفطرين، فأنا لا أعلم كم كان عدد المفطرين آنذاك لكن ما أعلمه أن عدد المفطرين هذه السنة أكثر من عدد المفطرين السنة الماضية وهذا العدد في زيادة ملحوظة، أي أن يجب على السلطات الجزائرية اتخاد إجراءات وأتمنى أن تكون هذه الإجراءات تشرع الإفطار العلني وليس معاقبة مرتكبه،  فتشريعه سوف يدعم الاقتصاد الوطني، حيث أغلب الدكاكين والمحلات تجدها مغلقة في رمضان خصوصًا في العاصمة فما حال الولايات الأخرى؟
ولكن ما كنت أبحث عنه هو ليس تعصب الكاتب ودعوته لمعاقبة المفطرين، بل إن غايتي قد وجدتها في مقاله حيث أشار إلى قانون لا يتكلم بصارح العبارة عن الصوم لكن يشير إليه بكلمة جامعة أخرى مع أن هذا قد يبدو ليس بغريب، لأن الجزائر دولة شبه إسلامية لكن نص القانون 07. 09 الصادر سنة 2001 المتمم والمعدل لقانون العقوبات سنة 1966 وفي القسم الخاص بالإهانة والتعدي على الموظفين ومؤسسات الدولة وفي المادة 144 التي وجدت المفاجأة فيها حيث تنص بأنه يعاقب أي شخص سب وتهجم على الرسول محمد صل الله عليه وسلم، أو بقية الأنبياء رضوان الله عليهم، أو استهزاء بالدين أو بأي شعيرة من شعائر الإسلام بأي وسيلة إما عن طريق الكتابة أو الرسم أو التصريح العلني الشفهي أو البصري بالسجن لمدة ثلاث سنوات إلى خمس سنوات مع غرامة تبدأ من 50 ألف دج إلى 100 ألف دج.
مع أن ظاهر المادة يبدو جيدًا للحد من الشتم والتهجم على القدسية المحرمة في الدين الإسلامي، لكن الصوم أيضًا مشمول في هذا القانون بقول أي شعيرة من شعائر الإسلام، أي حتى الصوم وأراها سخافة بأن تسجن شخصًا لمدة ثلاث سنوات لأنه قام بحقه البيولوجي وهو الأكل، لكن لحسن الحظ هذا القانون مجمد ولا يتم التعامل به في أغلب الحالات، لكن لا يوجد أي شيء يمنع أي قاض في أي محكمة من استعماله إلا إنسانيته، لأن هذا القانون ببساطة موجود، والغريب أن فوزي ناشد السلطات للقيام بواجبها واحترام القانون ومعاقبة المفطرين لأنهم خالفوا الله ولكن ألا يعلم بأن هذا القانون يشمله هو أيضًا، لأن في الإسلام تشويه سمعة شخص أمر محرم فكيف يقول عن أشخاص لا يعرفهم بالشرذمة أفلا يجب أن يعاقب هو أولًا؟
قد يقول أحدكم إذن ما الحل؟ هل يجب أن نشرع الفطور العلني؟، إجابتي هي لم لا؟ ولكن لأننا في مجتمع أغلبيته مسلم ظاهريًا بالطبع سوف يتم رفض الصيام العلني وقد تتوجه الأمور نحو الدم وهو ما لا أرجوه لهذا أرى الحل هو بتطبيق القانون على فئة محددة فقط فما يجهله القسم المتعصب التي تكلمت عنه في البداية هو بأنه يتكلم مع أشخاص ليسوا مسلمين، فتهجمك عليهم ودعاؤك عليهم وتخويفك لهم بجهنم لن يمنعهم لأنهم ببساطة لا يؤمنون بما تؤمن، فمثلا وجدت تعليقًا في صفحة يوميات فاطرون جزائريون حيث قال أحد المتعصبين ساخرًا بأن الفاطر في الجزائر لم يفز لا بالجنة ولا بالآخرة مع أن تعليقه هو من ناحية المزاح لكن المعلق نسي بأنه يخاطب أشخاصًا أغلبيتهم ملحدون، لهذا هم لا يؤمنون بالآخرة فيجب عليه تغيير صيغة حديثه وهو ما يجب القيام به مع القانون فيجب تغيير الفئة المستهدفة، فأنا لا أرى فائدة من معاقبة ملحد قام بالإفطار، بل أرى أن هذه القوانين يجب أن تطبق علي أنا كمسلم وعليك أنت أخي وأختي كمسلمين أي وضع قانون لكل فئة.
وفي الأخير لقد شدتني مقولة أود أن أختم كلامي بها وهي «نحن مجتمع يبحث عن الفاطر في رمضان ليعاقبه، ولا يبحث عن الجائع طوال السنة ليطعمه» وسأنهي كلامي بأن أتمنى لكم رمضانًا مباركًا وكما يقول الجزائريون صحا فطور كل صائم وكل فاطر ويبقى الله الوحيد القادر وله الأحقية في معاقبة عباده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد