في مقالها الشهير، «Eating the Other: Desire and Resistance»، تستعمل «بيل هوكس» عبارة التهام الآخر للدلالة على كيف تقوم الثقافات المهيمنة ذات النزعة الرأسمالية بترويض الثقافات المختلفة للأقليات العرقية والإثنية. ترويض ثقافة الآخر، أو التهامها حسب تعبير «هوكس» هو نوع جديد من العنصرية. هذه الأخيرة لا تعتمد على الأسلوب التقليدي المتمثل في الإقصاء أو الرفض المباشر للآخر المختلف. بل على العكس من ذلك، تعتمد على احتواء هذه الثقافة المختلفة، إفراغها من سياقاها ومعناها الأصلي كي لا تشكل تهديدا للثقافة المهيمِنة، ومن ثم تسليعها بحيث تصبح مجرد سلعة لجلب اللذة والمتعة. تقول «هوكس» في هذا الصدد، «داخل ثقافة التسليع تصبح الإثنيات توابلا لإضفاء نكهة بإمكانها إسعاد الطبق الممّل المتمثل في التيار المهيمن لثقافة البيض»، وبالتالي فعلاقة ثقافة المهيمِن مع ثقافة المهيمَن عليه تبدأ أولًا بمرحلة التقدير الثقافي، وتنتهي بمرحلة الاستيلاء والاستغلال الثقافي.

موسيقى كناوة بالمغرب مثال حي من أجل استيعاب تعبير «هوكس»، التهام الآخر. هناك نقطتان أساسيتان تميزان سياق موسيقى كناوة وثقافتها بشكل عام: الأولى هي النوستالجيا والحنين إلى البلد الأم بفعل النزوح القسري إلى المغرب، والثانية هي الاضطهاد والقمع الناتج عن العبودية. لكن الانطباع الذي يخلقه الإعلام والأوساط الرسمية حول موسيقى كناوة في المجتمع المغربي لا تمت بصلة إلى هذا السياق.

كانت أول خطوة لترويض موسيقى كناوة هي تأسيس «مهرجان كناوة وموسيقى العالم» سنة 1998، وهو مهرجان يقام كل سنة بمدينة الصويرة لثلاثة أيام يتم فيها الاحتفاء بموسيقى كناوة وتراثها. احتواء موسيقى كناوة من خلال مهرجان رسمي وسنوي قد ينم عن نوع من التقدير الثقافي. لكن هذا الأخير يتحول إلى نوع من الاستيلاء والاستغلال حين يتم إفراغ موسيقى كناوة من سياقها الأصلي المذكور، وبالتالي تحويلها إلى مجرد فن فولكلوري، ترفيهي وسطحي تؤدى فيه رقصات غريبة.

إن النظرة التي يرسخها الإعلام حول موسيقى كناوة أشبه بنظرة استشراقية. لا يتم تصوير موسيقى كناوة على أنها فن ولد من رحم مأساة العبودية. بل يتم تصويرها في الغالب كفن عجائبي ذي طقوس مرتبطة بعالم الجن والأرواح.

هل يستحضر الجمهور الذي يحج لمهرجان كناوة السياق التاريخي المذكور لهذا الفن؟ وهل تساهم الطريقة التي يقدّم بها الإعلام هذا التراث في التذكير بتجربة النزوح القسري ومآسي العبودية؟ الجواب بالنفي طبعًا. ليس للإعلام الرسمي والدولة بشكل عام أية رغبة لنفض الغبار عن الماضي العبودي. لذلك فالسبيل الوحيد لترويض موسيقى كناوة هو طمس هويتها وإفراغها من روحها الأصلية التي تتغنى بمظاهر التهميش والاضطهاد. يظهر هذا جليًا في التغطية الإعلامية لمهرجان كناوة، وفي الدعاية الإشهارية لبعض المنتوجات التي تحول رمزية هذا الفن إلى سلعة مستهلكة.

إن عملية ترويض الثقافات والفنون المختلفة عن الثقافة الرسمية للدولة لا تقتصر على فن كناوة، بل ولم تكن وليدة اليوم. فأول خطوة في هذا الصدد دشنها الملك الراحل محمد الخامس ثلاث سنوات بعد الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، وذلك بتأسيسه للمهرجان الوطني للفنون الشعبية. هذا الأخير الذي بدأ تنظيمه في الرباط، ثم نقله إلى مراكش فيما بعد، حاول تسليط الضوء على التنوع الثقافي للمغرب بإشراكه للعنصر الأمازيغي، الحساني، الأفريقي، اليهودي، الأندلسي… إلخ. جدير بالذكر أن الأيديولوجيا الوطنية والرسمية غداة الاستقلال كانت تقدم نفسها بهوية عربية. وبالتالي فالاعتراف بالهويات والثقافات المختلفة من خلال منحها منبرًا يتمثل في المهرجانات لم يكن يخلو من أهداف سياسية، أبرزها الترويج لمفاهيم التعايش، والتسامح، والتنوع الثقافي. الترويج لهذه المفاهيم كان ليكون صادقًا لو لم يتم «فلكرة» هذه الفنون الشعبية (أحواش، أحيدوس، كناوة… إلخ.) وتقديمها بنظرة سطحية مفرغة من هويتها، وبالتالي التهامها حسب التعبير المجازي لهوكس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد