عن وطني أتحدث. ذلك الوطن المقطوع الصلة بين الحق واليقين، المتأنق بالاستبداد المؤسسي الفخيم، الموغل فى التردي والجمود، الغارق في بحر الدماء منتشيًا بالانتصار، المتحالف مع الشيطان لكي يهدم أركان الانسان، المتجرد من القيم الإنسانية الرفيعة.

عن وطني أتحدث. ذلك  البركان الهائل الذى أغرق الجميع بالكلية جراء حماقة المجرمين الأوائل، الذين اغتالوا الحلم في عباءة الإمام عمر مكرم مؤسس أول ثورة مصرية وتدثروا هم بعباءة الأزهر، بعدما صك وثيقة السيادة للشعب  إزاء الوالي الجديد، فصكوا هم فتواهم  بالعبودية المطلقة!

 الذين عَبّدوا الطريق في قلوب الناس إلى الخنوع لأمر الوالي، فأقعدوهم في العبودية حتى تجردوا تمامًا مما يبقيهم على قيد الإنسانية فيقولوا لا  لقتل كل شيء لكي يبقى الوالي،الخديوي، الملك، الرئيس، المدان عبر كل زمان.

الذين خانوا عرابي ليُهزم ويتحول لمسالم كي يعود لوطنه، الذين ظلوا يراوغون مصطفى كامل حتى مات كمدًا من سفالتهم الوطنيه المخمورة بكأس المحتل. الذين وشوا بالأديب عبد الله النديم مقابل جنيهات قليلة، ولم يدركوا قدره، فجاز عليهم الاحتلال لما يزيد عن سبعين عامًا. الذين التفوا حول المقامر الشاب يدفعونه دفعًا للزعامة والسطوة المطلقة حتى وجد ديان الصهيونى متربعًا فوق سيناء، ويحلق فوق سماء القاهرة باصقًا على تلك الزعامة المزعومة! التي كان ثمنها أغلى ثمن ممكن أن يدفعه وطن.

أولئك هم المجرمون الأوائل الذين تركوا نسلهم ينهش في لحم الوطن دون رادع من حكيم أو ثائر عظيم؛ حتى آلت لهم تركة وطن يبيعونه الآن في رابعة النهار! الذين فرضوا الأمر فوق المنطق، والظن فوق الحجه والبرهان!

 ذلك الوطن المهان. قد طويت صفحته وحلقت بعيدًا عنه، ورحلت بروحي مع الراحلين، حيث عالم بلا قيود أو أحزان، عالم لا يفرض قوانينه الباليه وطقوسه المهينة في الامتثال للسيد الوالى، الخديوى، الملك، الرئيس فهجرتنا لن تكون هربًا من شيء بقدر ما هي شرف أن نحتفظ بأنفسنا كما هي شفافة بريئة عبر عشرات القرون من القهر  والهوان.

لا نعرف القنص للفرص والنفاق والتملق لذوي النفوذ والسلطان،  فلو أردنا لنجحنا ومات الإنسان، فأراد الله أن نستعصي على كل ذلك، بل على طموحاتنا، ولو لم يبق سوى قطعة خبز لسد الرمق، لكن انسداد الأفق في بادرة شعاع ينفذ في أرواحنا المنهكة في ظل الظرف الراهن شديد الوطأة على كل وطني حر، يدفعنا الى الرحيل، فهجرتنا  من هول ما شاهدناه من عصف بكل ما هو جميل في هذا البلد الموغل في التوحش والجاهلية غير المسبوقة إلى حد القتل بالمجان، والإقصاء لكل ذي فهم وبصيرة ورؤية لإبعاد ما يحدث وانعكاساته الكارثية.

لقد هان الوطن وتحول لطاولة قمار للمغامرين الجدد، وليتهم يجيدون اللعب، فالخسارة فادحة وقد رهنوا كل شيء مقابل سنوات يقضونها فوق قلوب الناس كمدًا وقهرًا.

فالغد القادم مكبل بديون طائلة، واستحالت الخدمات من صحة وتعليم واسكان، ليتهم يجيدون حتى فن الأولويات فيتركون الفتات من ثرواتهم المكدسة بالمليارات، ليبقى الناس دون المرض والموت فى تصادم القطارات، ليتهم يعلمون أن الجرائم لن تسقط أبدًا بالتقادم حتى يكفوا عن السلب والنهب والبطش والترويع، فلم يعد سوى جثة وطن ينتظر التشييع، حيث  لا وجود لقاتليه في المراسم.

 هجرتنا ليست لمجرد الهجرة، وإنما لأمل ان نلقى أمثالنا بعدما عز علينا لقاؤهم وقد دُفنوا أحياءً، ريثما انزووا داخل جدران الوطن بلا سند أو أمل في غد يحنو عليهم، ذلك الوطن الذى يسكنني رغمًا عني ولا أطيق فراقه، ولم أقو على البقاء به في الحال ذاته، فإما نحن أو أي شيء آخر غير الإنسان، ليس في مقدوري أن أقتل ذلك الإنسان الذي فطره الله عز وجل على الحق والخير والجمال، ويرفض أن ينحي غيره جانبًا كى يتقدم ويحصد المال المهان، ليس في مقدوري الوشاية الرخيصة كي أبقى صديقًا للسجان، لقد مات كل شيء هنا، ولم يبق سوى بقايا من شرف وضمير وحس في الوجدان، فالرحيل حيث كل شيء من جديد.

 فلا شيء هنا سوى الوالي، الخديوي، الملك، الرئيس.. المدان  عبر كل زمان.. وحتما سنعود يوما عندما يرحل كل شيء،  لا يعرف معنى الأوطان.

دمتم سالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد