دائما مًا أتردد في قراءة قصة ذاك الرجل الذي أخذ أباه العجوز إلى مطعم فاخر لتناول العشاء، كان الأب كبيرًا في السن، ويرتجف، يأكل ويتناثر الطعام على الأرض وعلى ملابسه، لفت هذا كل من كان في ذلك المطعم، الرجل بقي هادئًا، وانتظر انتهاء أبيه من الأكل، أخذه إلى المغسل، غسل يديه، فمه، وجهه، وثيابه، ثم عاد ونظف المكان بكل هدوء، دفع الفاتورة، وخرج وسط أنظار كل من كان في المطعم، وبينما هو وأبوه يهمان بركوب السيارة، لحقه رجل آخر، وقال له: يا سيدي ألم تنتبه أنك تركت شيئًا في المطعم، قال: لا، فرد عليه الرجل: لقد تركت درسًا بليغًا لكل من كان في المطعم في بر الوالدين.

عندما نتحدث عن الحنان والحب نعني بذلك الأم، وعندما نتحدث عن الأمان والعطاء نقصد الأب، فهما مِن أعظم النعم التي مَنّ الله علينا بها في هذه الدنيا، فلولا وجودهم لما كنا هنا، ولولا رعايتهم وتضحياتهم لما وصلنا لما نحن به الآن،
بر الوالدين ليس مرهونًا بظروف، أو توقيت، مطلوب منك ما داموا على قيد الحياة، وهو باب من أبواب الجنة مفتوح لك، من خلال دعائهما، وبرك بهما. ومتى ماتوا أغلق هذا الباب، فاحرصوا على إبقائه مفتوحًا طيلة بقائهما، ولا تغلقوه عنكم – لا قدر الله – أحياء وأمواتًا.

بر الوالدين دين يرده لنا أبناؤنا عندما نرد إلى ارذل العمر، برهم ليس مقتصرًا على مدى حاجتهم لنا، أو كونهم ما زالوا أحياء، بل قد يكون أعظم البر صدقة تصلهم وهم هناك تحت التراب، ينتظرون عملًا بعد أن تقطعت بهم السبل. فأحيانًا نلاحظ أن الذين تدير لهم الحياة ظهرها، هم من يبرون بوالديهم، إنها رسالة قدمها فقير حافي القدمين إلى الذين يرمون ويتركون والديهم في ديار العجزة.

بر الوالدين هو شيمة النبلاء الأتقياء الأنقياء الأوفياء والأصفياء الذين آمنوا بحق الله وحق والديهم وعكفوا على إرضائهم وتفانوا في مرضاتهم؛ فكانوا لهم خير سند وعضد ونالوا برهم للأبد. بر الوالدين قصه تكتبها أنت ليقرأها أبناؤك، فأحسن الكتابة، فكما تدين تدان وعقوق الوالدين عقابهما في الدنيا والآخرة.. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربيانى صغيرًا.

فيا أيها العاق! إن أكثر ما يؤلم بعد رحيل الأم والأب هو منزل بدونهم، فأينما حللت ستنظر إلى كل مكان كان يجلسان فيه، كل عمل كانا يقومان به، كل ضحكاتهما وكلماتهما ونصائحهما، تريد أن تحضن ذلك المكان، أن تتكلم معه،أن تبوح بما لم تبح به، ولكن هيهات لم يعد يجدي نفعًا، فيا ليت الراحلون أخذوا معهم الذكريات أو أخذونا معهم، لن يحبك أحد مثل أمك وأبيك. فيا أيها العاق استغل الفرصة لأنهما على قيد الحياة، عد إلى رشدك، قبل رأس أبيك وانحن على يد أمك، اطلب المغفرة.

ومن أجمل ما قرأت ” فيا أيها العاق.. فلما ترعرع جسمك واشتد أمرك وبلغت سن الرجاء والأمل جازيت بالإحسان إساءة، وبالوصل قطيعة، وبالتواضع غلظة وفظاظة، وبالتربية جفاء، وبالدنو بعدًا، وبالمحبة نفورًا، وبالبذل والعطاء منعًا وبخلًا، فقطعت ما أمر الله به أن يوصل، ومنعت ما أمر الله به أن يبذل وكم ليلة باتا ساهرين لسهرك باكيين لبكائك، متألمين لألمك، طاويين إذا لم تأكل مهمومين، إذا لم تفرح، فكان جزاءهما منك أن أبكيت عيونهما وأسهرت ليلتهما وضيقت صدورهما، وكأنك موكل بخلافهما ومنتصب لعقوقهما، فوا عجبًا لهذا الميزان الناقص والجزاء الفاضح”.

قال الله تعالى: ”وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا” صدق الله العظيم.

فاللهم ارحمها كما ربياني صغيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد