إن العمل السياسي في الجزائر، وبشهادة أغلبية الطبقة السياسية قد دنسه وشيطنه النظام الحاكم السابق لعقدين من الزمن، وهذا بغرض البقاء فترة أطول في الحكم، كما هو معهود عن الأنظمة الشمولية، قبل أن يأتي الحراك الشعبي ويعصف بما يتعارف عليهم في الجزائر تحت مسمى «العصابة»، وليتكسر جناح الرئيس الجزائري المخلوع ويزج بأبرز رموزه في السجون ومحاكمتهم، والنطق بأحكام ثقيلة في حقهم.

في ظل كل هذه المشاهد المتسارعة التي توحي بتحسن في الوضع السياسي الجزائري، خاصة بعد مجيء رئيس جمهورية جديد أفرزته انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، ورغم الاختلاف في مدى شرعية الأخيرة، فإنه رئيس في نهاية المطاف وجب التعامل معه.

ولعل الزيارة الأخيرة التي أجراها عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم (حمس)، رفقة وفد من حركته – قد أكدت أن الرئيس تبون، رغم الانتقادات اللاذعة التي تلقاها في طريقة وصوله للحكم، فإنه رئيس فرضه الأمر الواقع.

بعد اللقاء انطلقت الألسن ضد المعارض الراديكالي، كما يحب البعض أن يسميه، لتتهمه بالتراجع عن المواقف المعروف بها ضد النظام السياسي الذي كان يقوده بوتفليقة. كما اتهمه البعض من معارضيه وحزبه بالسفسطة السياسية، في حين يرى مناضلو «حمس» أن التعامل مع معطيات الواقع قد فرضت على رئيس الحزب اللقاء برئيس الجمهورية، وبحكم أن العملية السياسية خاضعة لعدة متغيرات يبنى أي تحرك أو موقف سياسي عليها، فقد وصفوا اللقاء الأخير بالطبيعي والعادي.

إن 20 سنة من عملية شيطنة الأحزاب، وتعفين العمل السياسي، وتشويه رموز السياسة وكذا العمل على تمييع مصطلح المعارضة، كما سبق وأن ذكرنا، قد ساهم بشكل كبير في خلق انطباع سيئ عن الخطوة التي قامت بها قيادة «حمس»، وعلى رأسها مقري، بالإضافة إلى أن كثرة التصريحات وتسارع وتيرة العمل لدى «حمس» ورفعهم مستوى النقاش السياسي بشكل واضح جعلت الناس تعتقد أن ابن مدينة المسيلة يصرح ثم يعاكس ما يقول، مما وضع الحركة في مواقف لا تحسد عليها، خاصة وبعد مشاركتها في الحكومة لمدة 15 سنة، قبل أن تخرج للمعارضة سنة 2012، مما دفع بالناس لطرح فكرة أنه حزب نظام ولا يمكن مغفرة ما فعله على مدار عقد ونصف، رغم أن النأي إلى خط المعارضة كان في أوج البحبوحة المالية.

من بين الأمور التي استند إليها النظام السياسي لتوجيه الرأي العام وتلطيخ الصورة العامة لـ«حمس»، هي أن نواب البرلمان المحسوبين عليها، والذين دقوا ناقوس الخطر في عهدتين حين صدرت تحذيراتهم في عام 2013 للسلطة الحاكمة بخطورة الوضع الذي سيؤول إليه الاقتصاد الجزائري، فألصقت بها الحكومة تهمة الخطاب المتشائم، ووسم خطاب الحزب الإسلامي بوسم السفسطة، وشُبّه بالفزاعة لتخويف الشعب واكتساب تعاطفهم.

تمضي الأيام ونحن على أعتاب أزمة اقتصادية حادة قد تحطم الاقتصاد الوطني الجزائري، لتؤكد صدق ما استشرفت به «حمس»، خاصة بعد بقاء حوالي 62 مليار دولار احياطي للصرف، ووصول فاتورة الاستيراد لسنة 2020 إلى حوالي 42 مليار دولار، أي إنه بحلول عام 2021 لن تستطيع الجزائر دفع أجور العمال، وكذا فإنها لن تجد أموالًا تستورد بها، ناهيك عن إتمام المشروعات.

أضعاف أضعاف هذه المليارات صرفت في عهد بوتفليقة، لكنها لم تحقق تنمية حقيقية، بل بقيت 97% من مداخل الاقتصاد الجزائري مصدرها المباشر هو قطاع المحروقات، وكذا بقي ما يقارب 40 مليار دولار خارج البنوك، أي في الأسواق الموازية.

إن الاستمرار في تطبيق سياسة الهروب للأمام، والتي احترفها نظام يوتفليقة، لن تمثل حلًّا فعالًا للواقع الذي سيصطدم به الجزائريون خلال الأشهر القادمة، خاصة مع توفر فرصة حقيقية لا ولن تعوض للإقلاع الاقتصادي، والتوجه نحو ميادين أخرى لجعلها مصدرًا للدخل، كالفلاحة على سبيل المثال، لجعلها تمثل 8% من المداخل العامة للدولة، أي ما سيسمح بدخول من 7 مليار دولار إلى 8 مليار دولار سنويًّا، مع خفض نسبة الدخل من المحروقات إلى 89%، كما وجب إصلاح النظام المصرفي الجزائري في أقرب الآجال، وتسهيل التعاملات المالية، ورسم سياسة حقيقية لرفع قيمة العملة، مع فتح الأسواق للمنافسة الحرة النزيهة، واسترجاع الأموال للخزينة العمومية، وتطوير قطاع السياحة وتكييفه مع متطلبات العصر.

كذلك يجب تعزيز الدور الرقابي للبرلمان بعد تعديل نظام الحكم والدستور، وبعض القوانين المنظمة للتجارة، وتحرير القضاء من قبضة السلطة التنفيذية.

كل هذا سيسهم في تحسن الأوضاع على العموم، وتهدئة النفوس الثائرة، وإن أي مناورة ومحاولة من قبل النظام السياسي، أو من أي جهة كانت، للالتفاف على الحراك ومحاولة إعادة رسكلة الخريطة السياسية القديمة، سيدخل البلاد متاهات لا قبل لها بها.

بعد كل الأشهر التي مرت على الحراك، لم نر أحدا رفع لافتة ضد «حمس» بصفة واضحة، ولم نر طردًا لرئيس حزبها على مدار كل الجمعات التي شارك فيها، وها هم من وصفوا خطابها بالسوداوية والمعارضة من أجل المعارضة يرونه واقعًا، فقد أصبحنا في بلد على حافة الانهيار، وشعب ثائر ضد حكامه، ويبقى التاريخ منصفًا لكل مظلوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد