في البداية لا بد من تعريف المفهوم الاجتماعي العام للثقافة أو الثقافة العامة التي تسود المجتمعات في مراحل حياتها الطبيعية أو من خلال الظروف والمتغيرات التي تطرأ عليها نتيجة الحروب والكوارث الطبيعية وغيرها والتي تتكون نتيجة للمتطلبات الطارئة التي تدور في حياة المجتمع وما حوله من صراع قائم لتحقيق الأهداف والغايات والمضامين المؤدية إلى التنوع في تحتياجاته البشرية والفكرية المتعددة، والتي ترافق مجالات الحياة كافة وتؤدي إلى وجود تنوع ثقافي وفكري بحسب حاجة كل أمة وكل شعب، وتمثل رصيدها المعرفي في أطر ومضامين حياتية وحضارية بجانب الخبرات التي يمكن أن يكتسبها الفرد في مجالات الفكر والإبداع المعرفي والفني، ومن ناحية أخرى على أنها تلك الثمرة للنشاط الفكري التي يحددها الفرد من نتائج مادية وغير مادية تحدد نمط علاقاته بين أبناء المجتمع الواحد.

وبناءً على ذلك كان لا بد من التطرق إلى بعض الجوانب الحياتية والمعيشية التي يتعرض لها المجتمع السوري وفقًا للطرق وخصائص الانسجام في ظل الظروف التي يعيشها في السياق المشترك لظروفه الراهنة والأوضاع الطارئة نتيجة الحرب وما خلفته من دمار.

أدت إلى توسع الفجوة الكبيرة الحاصلة في البنية الاجتماعية وتدهور أوضاعها المعيشية والاقتصادية بشكل عام، وبسبب سوء الأوضاع الأمنية والعسكرية والممارسات القمعية المتُبعة من قِبل نظام الأسد وميليشياته، التي تسببت في هدر الدماء وتدمير منازل الآمنين وممتلكاتهم، بالإضافة إلى حملات الاعتقال والاختفاء القسري التي تعرض لها الشعب، والتي حصدت أرواح مئات الآلاف من المدنيين وهجرت نصف السوريين من أراضيهم فرارًا إلى المخيمات والدول المجاورة ودول اللجوء الأخرى.

في كارثة لم يُشهد لها مثيلًا من قبل من القمع والقتل والتدمير الممنهج على يد ميليشيات نظام الأسد التي عملت على التوسع في المناطق التي هاجر منها أهلها، واستقر بهم الحال إلى المناطق الحدودية التي تفتقد لأدنى مقومات الحياة الأساسية التي يحتاج إليها الفرد من صحة وتعليم ومقومات أخرى، مع النقص الكبير لإمكانياتها التي حرمت العديد منهم من الالتحاق بالمدارس وصفوفهم التعليمية منذ السنوات الأولى للحرب في سوريا، مع محاولة منهم لتخفيف وطأة ذلك بتوفير ما أمكن من المقومات الأساسية وأساليبها البسيطة داخل تلك المخيمات وخارجها أمام ما يحدث من هول الدمار الحاصل على أيدي الأسد، والتي أدت إلى تغيرات متعددة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما نتج منها من سوء في الأوضاع الإنسانية التي تسببت بقتل ما يقارب المليون شخص، وما لحقها من ظروف فقدان معظم السوريين لذويهم وأقاربهم بين قتيل ومعتقل ومصاب، كما أن حملات الهجرة واللجوء الجماعي أدت إلى تمزيق المكون الاجتماعي والتباعد الأُسري، وما تركه من آثار سلبية أثرت بشكل مباشر في البنية الاجتماعية نتيجة فقدان المُعيل البشري لدى الأسرة السورية؛ ما أدى إلى وجود شروخ كبيرة في المجتمع بسبب ما تعرضت له من الأساليب الوحشية والأدوات القمعية في ظل الحرب القائمة، بالإضافة إلى التغيير الديموغرافي الحاصل في البلاد وما ترتب عليه من تمزيق للنسيج الاجتماعي في ظل المتغيرات التي تتعرض لها البلاد من تزايد لأعداد الجرحى والمفقودين والمصابين بين صفوف المدنيين والتي خلقت الحاجة إلى التزامات جديدة من برامج الرعاية الصحية الاجتماعية، والتي تكاد أن تكون معدومة في أغلب الأحيان.

مع التزايد الكبير لارتفاع نسبة الفقر ووصوله إلى أعلى معدلاته التي لا تتجاوز نسبة الدخل الفردي فيه ربع ما يمكن أن ينفق في دائرة الحياة اليومية الضيقة لمن توفرت له فرص العمل، والتي يمكن من خلالها سد الحاجات الضرورية للمتطلبات الأساسية في أوقات عصيبة من نوعها من انعدام للخدمات الطبية والصحية التي من شأنها تخفيف حدة تفشي الأمراض والأوبئة المتزامنة مع سرعة انتشارها داخل المخيمات السورية وخارجها.

وما نشاهده من قساوة الصورة من افتراش الناس للأرصفة والطرقات وما وصل إليه سوء أحوالهم وأوضاعهم المعيشية التي دفعت بعدد كبير منهم من أطفال وكبار في السن باللجوء إلى العمل أملًا في الحصول على مأوى، وكسب لقمة العيش بعد أن فقدوا ذويهم ودمرت الحرب نسيجهم الاجتماعي، الذي عمد إليه نظام الأسد في إحداث صدع كبير داخل المجتمع بغية تدمير الحاضنة الشعبية للثورة التي ما لبثت أن تحولت إلى حرب تعددت فيها الظواهر الاجتماعية الناجمة عنها في دول اللجوء، وغيرها على المستويات الفردية والعامة، وما ترتب عليها من آثار سلبية تمثل تحديًا كبيرًا للمجتمع السوري في إيجاد الطرق ووضع الحلول الناجعة للوقوف عليها من خلال تعزيز البنية الاجتماعية وإعادة توحيد نسيجها بالطرق العلمية والإبداعية والأهداف البناءة، بما يتناسب مع مراحلها المقبلة، ودراسة تلك المراحل السابقة وما سببته من شروخ كبيرة داخل المجتمع السوري مع تقديم الدعم المرافق لبرامج التنمية والرعاية الاجتماعية للذين تعرضوا للحرب وما تركته لهم من آثار سلبية وجسدية، ولسد الفجوة الحاصلة في المجتع نفسه وإعادة بناء طرق التوافق والانسجام المجتمعي لضمان إعادة التوازن والاستقرار في عودة الحياة إلى عجلتها الطبيعية، وإرساء قواعد ونظم العدالة والتكافل الاجتماعي الذي فقدته البلاد في ظل تلك السنوات الطويلة للحرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد