إن المتعمق في تاريخ الأفكار الاقتصادية، يلاحظ اختلاف المساهمين في تطوير هذا العلم بالرأي حول عدد كبير من المسائل، ابتداءً من منهجية العلم وأبعاده وحدوده، باتجاه تعريف عدد كبير من المصطلحات والمفاهيم الرئيسية ضمنه، وحتى تفسير الظواهر الاقتصادية المختلفة، ففي الحضارات القديمة كان اليونانيون يفهمون الاقتصاد على أنه إدارة المنزل (أوكونو ميكوس)، بينما فهمه الرومانيون على أنه تنظيم الأعمال الزراعية وتحسين ظروف استغلال الأرض، وفي القرون الوسطى كان توماس الإكويني يرى أن الاقتصاد يجب أن يهدف إلى تحقيق العدل بين الناس، بينما تحدث ابن خلدون حول هدف أكثر شمولًا هو تحقيق التنمية «العمران» بكافة أبعادها.

ومع نشوء المدارس الاقتصادية التي بحثت في الاقتصاد بشكل أكثر عمقًا، تطلع أصحاب المدرسة التجارية إلى الاقتصاد بوصفه محلًا لتعزيز ثروة الدولة التي تأتي من خلال الذهب والفضة، بينما خالفهم أصحاب المدرسة الطبيعية في الأمر بأن مصدر الثروة لا يكون إلا من خلال الأرض والزراعة، ومع نشأة علم الاقتصاد بشكله الحديث نهاية القرن الثامن عشر على يد المفكرين الكلاسيكيين في أوروبا تطلع هؤلاء إلى ضرورة تحرير الاقتصاد من أي قيود يمكن فرضها عليه، إلا أن تيارًا مقابلًا معاصرًا لهم (الاشتراكيون) كان يرى ضرورة تحكم الدولة بكافة مفاصل الاقتصاد، وفي أشكال أكثر تفصيلًا ظل الخلاف قائمًا حول مفاهيم القيمة والعمل والأجور، وتطورت فيما بعد تفسيرات مختلفة للظواهر الاقتصادية كالفقر والتضخم والبطالة وسواها.

وبالتالي من خلال استعراض التاريخ الاقتصادي للأفكار والمدارس، نلاحظ أن تفسير الظواهر الاقتصادية لا يمكن أن ينفصل بأي حال من الأحوال عن الموقف السائد في بيئة صاحب التفسير أو المُنظر، فعلى سبيل المثال: لطالما أمن جون مينارد كينز بليبرالية الاقتصاد، إلا أن ظروف الكساد الكبير دفعته لتبني الرأي الذي يدفع بتدخل الحكومة لتحريك الطلب في البلاد، وبالتالي تنشيط الاقتصاد وإخراجه من الركود، وقد طُبقت آراؤه في كل من بريطانيا وأمريكا القلعتين الحصينتين لليبرالية في ذلك الوقت.

إلا أن قائلًا يقول: لقد ظهرت المدرسة المقابلة للكلاسيكيين في نفس الحقبة ونفس الأماكن – وبالتالي الظروف – التي نشأت فيها المدرسة الكلاسيكية!، وهذا يعود أيضًا للظروف المتقلبة التي مرت بها دول ًأوروبا خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث كانت ظروفًا متنوعة وغير مستقرة، وأفكار الكلاسيكيين لم تذهب حالة البؤس التي يعيشها المجتمع الأوروبي في تلك الحقبة، فعندما بدأ روبرت أوين مثلًا بإطلاق حزمة أفكاره باتجاه خلق بيئة أفضل للعمال في بريطانيا وخلق مدن تعاونية صغيرة في مختلف أنحاء البلاد، كان الصوت الأعلى هو للتقليديين باتجاه عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، وكانت أوضاع العمال تزداد شقاءً وبؤسًا، حتى إن بعض المفكرين الاقتصاديين في تلك الحقبة تقلبوا من الفكر التقليدي باتجاه تبني أفكار معارضة له كسيسموندي مثلًا، بل إن من التقليديين ذاتهم من هاجموا أفكار بعضهم البعض، فقد كتب ديفيد ريكاردو ردًا من 220 صفحة يفند فيها أفكار صديقه مالتس بعد إصدار كتابه في مبادئ الاقتصاد السياسي، وربما يرجع هذا أيضًا إلى عدم نضوج علم الاقتصاد في ذلك الوقت أو عدم تبلوره في قالبه اللاحق.

لقد ظل «علم الاقتصاد» يأخذ منحى التطور بتطور البشر أنفسهم، وعاش معهم في بيئاتهم المختلفة، ولا شك أن الجزء الأكبر من تاريخ الأفكار الاقتصادية المسجل لدينا اليوم يعود في غالبيته لما مرت به أوروبا بشكل رئيسي، وذلك لأسباب تتعلق بنهضة أوروبا ذاتها والذي نحاول غالبًا استنساخه، إلا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الشكل الحالي والمتطور لعلم الاقتصاد يمكن أن ينقل بكافة تفاصيله وحذافيره إلى ميدان التطبيق في دول أخرى، وعلى الرغم من أن المنحى الجديد في تطوير علم الاقتصاد هو التوجه إلى «قياس» الظواهر الاقتصادية، وذلك عبر تطور علم الاقتصاد الرياضي، وعلم الإحصاء الاقتصادي، ومؤخرًا علم الاقتصاد القياسي، وجعل مختلف الأطراف في الواقع الاقتصادي متحولات أو ثوابت في معادلة رياضية يمكن حلها لاستخراج النتيجة، إلا أن ذلك لا يعني أن علم الاقتصاد صار يشبه في ثباته بأي حال من الأحوال علم الفيزياء أو الكيمياء، فالاقتصاد يبقى علمًا اجتماعيًا تعتمد دراسته على طبيعة المجتمع وتفاعلاته فيما بينه، وكذلك مع المجتمعات الأخرى، و على الرغم من أن أبعاد وحدود علم الاقتصاد بدأت ترتسم وتصبح أكثر وضوحًا، إلا أن الاقتصاد باعتباره علما لا يزال يشتبك مع علم النفس وعلم الاجتماع والسياسة وهي علوم تتعلق بطبيعية الأفراد والمجتمعات والبيئات بشكل كبير.

وبالنسبة لواقعنا العربي لا بد من إعادة كتابة نظريات في علم الاقتصاد مبنية على أساس تاريخنا، وقيمنا، وثقافتنا، وبناء مراكز أبحاث خاصة بتحليل الظواهر الاقتصادية العربية، وسلوك الوحدات (الأفراد والشركات) العربية، وكذلك إعادة تعريف الظواهر الاقتصادية الكلية كالبطالة والتضخم على أساس واقعي، وعدم اقتصار الأبحاث الاقتصادية الخاصة بدولنا العربية على نظرية التنمية الاقتصادية، بل العودة للبداية، بداية دراسة تاريخ التطور الاقتصادي لدولنا، وتحليل المتغيرات الاقتصادية بناءً على الواقع الاجتماعي الخاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد