آمال وطموحات عريضة علقها الجميع على المؤتمر الاقتصادي؛ لعدة أسباب أولها وأهمها استغلال تجمع هذا العدد من الدول في إظهار مصر بصورة مستقرة تعطي مناخًا جاذبًا للاستثمار، وتنظيم لاقى استحسان وإشادة كل الضيوف.

حسن التنظيم لم يكن الميزة الوحيدة وإنما تأمين هذا العدد من الضيوف فتح الباب حول استمرار وزارة الداخلية على هذا النحو وإرساء الأمن في جميع ربوع مصر ليشعر سكان مصر، كما لمسه ضيوفها في زيارتهم لشرم الشيخ.

تعاطي الإعلام للحدث نفسه أوضح عدم استفادة عدد غير قليل من تهويل مجرد أفكار لمشروعات، وعدم انتظار نتائج يشعر بها المواطن على الأرض، بما يعزز ويرفع سقف الطموحات، ويفاجأ الجميع بصعوبة تنفيذ المشروع أو عدم جدواه، خاصة وأن الأمس القريب يحمل تجربتين، أولاهما جهاز علاج فيروس سي الشهير بكل ما حمله من تخبط وغياب رؤية وعدم حساب مسؤول واحد عن هذا الفشل الذريع، والمشروع الثاني تنفيذ مليون وحدة سكنية بالتعاون مع شركة أرابتك حتى تناولت وسائل الإعلام توقيع العقد من عدة أيام فقط رغم الإعلان عن المشروع قبل عام تقريبا.

الحديث عن ترشيد الأموال التي حصلت عليها مصر سواء في قطاعات الطاقة أو البناء أو المنتجعات السياحية مثار تساؤلات مشروعة، خاصة مع إعلان حاكم دبي مساعدة مصر خلال العامين الفائتين بمبلغ 14 مليار دولار. هل ذهبت هذه الأموال لمشروعات استثمارية ولماذا لم يُعلن عنها؟ وإذا كان هذا الرقم من الإمارات فقط فأين ذهبت باقي مساعدات الدول العربية الأخرى والتي تقدر بمليارات أيضا؟

التساؤلات السابقة لا تنفصل عما أعلن عنه في اليوم الثاني للمؤتمر بإنشاء عاصمة إدارية جديدة بتكلفة تصل إلى 45 مليار دولار، فلم يعلن من قبل عن هذا المشروع ولم تتم دراسته جيدا في ضوء الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة وضروة الوضع في الاعتبار التكلفة الباهظة للمشروع، وتخيل ضخ هذه المليارات في مشاريع تعليمية أو خدمات صحية.

المشروع نفسه نفت شركة إعمار الإماراتية صلتها به في بيان رسمي، وعليه لابد من الإشارة إلى أن مشروعًا بهذا الحجم كان لابد أن يتم عرضه على شركات متنافسة تمتلك خبرات عالمية للحصول على أفضل الأسعار وأقل مدة في التنفيذ، لو استقرت المناقشات على ضرورته الحتمية أصلا!

كالعادة لم تكن الأرقام الرسمية لحصيلة التدفقات النقدية دقيقة أو موحدة بين وسائل الإعلام المختلفة، اليوم الثاني كان أكثر أيام المؤتمر تضاربا، مانشيت البوابة أكد أنها مائة مليار، والشروق 93 مليارًا، واليوم السابع 90 مليارًا، واتفق الجميع في نهاية المؤتمر على مانشيت واحد دون النظر إلى تضارب الأرقام أو جدوى توثيق المعلومات في العمل الصحفي، واكتفت معظم الجرائد الخاصة والحكومية بمانشيت “مصر تستيقظ”.

سيناء لم يكن لها حظ من مشاريع التنمية المزمع إنشاؤها. لم يلتفت أي مسؤول لضرورة استغلال الحدث ووضع تصور لعدد من المشروعات لإحياء سيناء وتقليل حدة التوترات خاصة بعد إجماع كل القوى السياسية أن تطهير سيناء من البؤر الإرهابية لابد أن يسير بالتوزاي مع خطة متكاملة للتنمية.

تلقت مصر عددًا من المساهمات في صورة ودائع أو مشاريع استثمارية أو صفقات لدعم وتمويل مصادر الطاقة، ومع ذلك استمرت الأزمات التقليدية تطل على المشهد بين الحين والآخر، أنابيب البوتجاز أزمة حاضرة في الشتاء دائما، وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود لمحطات التوليد، وغيرها من الأزمات التي لا تجد إلا تصريحات مستهلكة ومكررة من المسؤولين.

هل فكر القائمون على حل هذه الأزمات استغلال التدفقات النقدية في حل الأزمات جذريا وإنهائها تماما، أم تذهب الأموال لزيادة مخصصات جهات بعينها في ميزاية الدولة، رئاسة الجمهورية زادت حصتها 9.4% عن العام الماضي، وارتفعت المبالغ المخصصة لوزارة الدفاع بنسبة 27%، وزادت المبالغ المخصصة للشرطة بنسبة 18% وبمقارنة هذه الزيادات في ميزانية الصحة أو التعليم يتضح الخلل في ترشيد وإنفاق الموارد المتاحة. والحل الأمثل حتى لا تكرر المشكلة ضرورة وضع جداول زمنية لتنفيذ كل المشروعات مع ضرورة مراقبة أوجه الصرف.

كلمة السيسي في نهاية المؤتمر لم تكن موفقة، وخاصة عندما قال “قلتله نزل 100 مليون من الصفقة ونزلهم”، الكل متفق وأكد السيسي نفسه في لقاءات سابقة أن المستثمر لابد أن يربح، وعليه كان لابد من مراجعة الصفقة التي تنازل فيها المستثمر عن 100 مليون دفعة واحدة، فربما أنجز مستثمر آخر الصفقة ونزل 50 مليونًا مثلا، فضلا عن أن شركة جنرال إليكترك التي تحدث عنها السيسي أمريكية وليست ألمانية، وعليه فلا يمكن أن تمول الصفقة الحكومة الألمانية لأن الشركة أمريكية أصلا!
المؤتمر الاقتصادي ربما يوجد حلولًا لعدد من المشاكل بشرط تدراك مشاكل الروتين ومراقبة الإنفاق بآلية صارمة لا تقبل المجاملات، وأزمة التمويل لمشروعات التنمية ربما يحلها ملف الأموال المهربة إلى الخارج، ورغم توالي تشكيل اللجان لاسترداد هذه الأموال لم يعلن عن المفاوضات مع الدول لاستردادها، ورغم أهمية الملف وضرورته في الفترة الحالية لم يلق الاهتمام الكافي من وسائل الإعلام المختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد