ربما لم يكن مفاجئًا أن تزدهر الأنثروبولوجيا الاقتصادية في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي ألتزمت فيها القوى الصناعية القائدة للعالم بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية بالإنفاق العام والتعاون الدولي، وهندست معًا أطول فترة من الازدهار الاقتصادي في تاريخ العالم، وفي تلك الظروف كان علماء الأنثروبولوجيا الاقتصادية يتجادلون في ما بينهم في شأن النظريات والمنهجيات اللازمة لدراسة ميدانهم الخاص، الذي كان قد امتد في ذلك الوقت ليشمل فلاحي العالم، إضافة إلى أبناء القبائل الذين كان عددهم في تناقض حينها، واعتقد الشكلانيون بمن فيهم ميلفيل هيرسكوفيتس (1895- 1963) وتالكوت بارسونز (1902- 1979)؛ أن المفاهيم السائدة في علم الاقتصاد وأدواته كافية للقيام بهذه المهمة، ويرون أن كل ظاهرة إدارة يقوم بها البشر تتعلق بندرة مواردهم المادية بغية بلوغ أهداف محددة.

في حين زعم الجوهرانيون بمن فيهم مؤسس المدرسة الجوهرانية كارل بولانيي (1886- 1964)، أن المقاربات المؤسساتية أكثر ملاءمة، وكانوا يقصدون بكلمة مؤسساتية أن الحياة الاقتصادية في المجتمعات التي لم تهيمن عليها الأسواق المتجردة عما هو شخصي دائمًا في مؤسسات اجتماعية أخرى، تندرج من الأسرة إلى الحكومة والدين، وهم يرفضون القيمة التعليلية للقانون التجريدي للمنفعة – الندرة، كما يرفضون تواصل المقارنة المؤسس على فرضية كهذه، ومن وجهة نظرهم أن الأنظمة الاقتصادية هي على العكس في حالة تقطّع متواصلة جذريًا.

ويجادل كارل بولانيي بأن المعنيين الشكلي والجوهري لكلمة اقتصادي دمجا، فالأول يشير إلى علاقة بين الغاية والوسيلة، أي العملية العقلية الهادفة إلى الاقتصاد (التوفير)، في حين يهتم المعنى الثاني بتأمين الحاجات المادية في المجتمع عمومًا، وإن ما يجعل شيئًا ما شكليًا هو توافقه مع فكرة أو قاعدة ما، كما تشدد المقاربة الشكلانية على التشغيل المنتظم للأفكار، وهي في هذه الحالة مزاعم علم الاقتصاد الكلاسيكي الجديد العالمية، في حين تعطي المقاربة الجوهرانية الأولوية للمحتوى التجريبي في الظروف المادية والنقاشات.

كما أدرك الشكلانيون والجوهرانيون أهمية الأسواق بالنسبة إلى التنسيق الاقتصادي، أما عند بولاني فلم يستطع مبدأ السوق أن يكون (شكل الاندماج) الرئيس في التاريخ الاقتصادي العالمي، وقد جادل في كتابه (التحول الكبير) بأن: مبادئ التبادلية وإعادة التوزيع وتدبير شؤون الأسرة أكثر أهمية من السوق في المجتمعات قبل- الصناعية، لكن تدبير شؤون الأسر اختفى من المجموعة في كتاباته اللاحقة.

وصنف بولاني النقود على أنها واحدة من السلع الزائفة الثلاث: النقود الفعلية مجرد رمز للقوة الشرائية، وهي عمومًا لا تنتج على الإطلاق، بل تأتي إلى الوجود عن طريق الآلية المصرفية أو مالية الدولة. وميّز بين الأشكال الرمزية والسلعية من النقود، حيث صمّمت النقود الرمزية لتيسير التجارة المحلية، أما النقود السلعية فللتجارة الخارجية، لكن غالبًا ما كان النظامان يتنازعان؛ إذ غالبًا ما كان التوتر بين بعدي الاقتصاد الداخلي والخارجي يقود إلى فوضى جدية في تنظيم العمل، وهكذا فالنقود لم تكن سلعة بل قوة شرائية، وليس لها منفعة بذاتها، بل مجرد عملة تجسد حقًا قانونيًا محددًا بأشياء يمكن شراؤها، ومن الواضح بتعبير بولاني أن مجتمعًا اعتمد التوزيع فيه على حيازة رموز القوة الشرائية تلك كان تركيبه مختلفة تمامًا عن اقتصاد السوق.

على عكس الجوهرانيين الذين استمدوا مكانتهم من بولاني، فإن الأنثروبولوجيين الاقتصاديين المعروفين بالشكلانيين لم يكونوا بقيادة شخصية واحدة، وكانت المفاهيم الأساسية بالنسبة إليهم قابلة للتطبيق من حيث المبدأ في كل مكان؛ لأنهم عرّفوا الاقتصاد على أساس الخيارات التي يقوم بها اللاعبون الأفراد في ظروف الندرة، فوسعوا بذلك منطق الأناويّة العقلانية إلى أماكن اعتقد الجوهرانيون أنها غير ملائمة؛ لأن التبادلية وإعادة التوزيع كانتا شكلي الاندماج المسيطرين هناك، وليس الأسواق الموضوعية، فعلى سبيل المثال استفاد بولاني كثيرًا من المواد التي كتبها الأنثروبولوجي البولندي برونسيلاف مالينوفسكي (1884- 1942) عن جزر تروبرياند ليبين كيف كان الاقتصاد متضمنًا جوهريًا في الشبكات الاجتماعية المحلية، لكن تمكّن الشكلانيون بسرعة من إعادة تفسير هذه المواد ليؤكدوا الفرضيات الكلاسيكية الجديدة المعيارية، ففي غياب التقانات المتقدمة ومرافق التخزين لم يكن تراكم رأس المال الانتاجي خيارًا، وأظهر مالينوفسكي أن سكان جزر تروبرياند ينتجون أكثر مما يستطيعون استهلاكه، حتى يتمكنوا من عرضه للجيران والوفاء بالالتزامات نحو الأقرباء من جهة الأم، وبدا ذلك متسقًا مع افتراضات تعظيم المنفعة التي وضعها الاقتصاديون المعاصرون.

كان الشكلانيون على ضلال من وجهة نظر الجوهرانيين الذين شددوا على المعنى الآخر للاقتصاد كما حدده بولاني، إذ كيف أمكن تعميم فرضية الندرة على السلوك الإنساني كله مع أنه تبين أن الصيادين جامعي الثمار وغيرهم ممن يستخدمون تقانات بسيطة جدًا يميلون إلى عدم بذل كثير من الجهد، بينما لم يعرف كثير من الفلاحين إلا الكدح من شروق الشمس حتى غروبها، ولكن تمكن الشكلانيون من الرد بأن أعضاء مجتمعات الوفرة الأصلية كانوا يعظّمون خيارات راحتهم إذا ما أتيحت لهم الفرص، وسمحت لهم الفرضية الكلاسيكية الجديدة عن التفضيلات المكشوفة، بالادعاء أنه مهما تكن الخيارات الاستهلاكية التي يقوم بها الناس، فإنهم بالتأكيد يعظّمون منفعتهم الفردية.

على العموم يمكن أن نختم بالقول: بأن المسألة المهمة التي لا بد أن نطرحها أنه كيف يمكن لمجتمع أن يطور قواعد كانت خيارات الأفراد العقلانية بموجبها تفضّل إعادة إنتاج المجتمع، وهذه المسألة أربكة حتى أكثر الشكلانيين إبداعًا، فعندما نتفحص عملية اتخاذ القرار الزراعي من منظور شكلاني، سوف نجد أنه حتى أكثر النماذج الرياضية تطورًا ليست قادرة على التنبؤ بما الذي كان المزارعون يعظّمونه بالضبط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد