يقول جون بيركنز في كتابه «الاغتيال الاقتصادي للأمم»:

«إن ما نتقن صنعه نحن قراصنة الاقتصاد، هو أن نبني إمبراطورية عالمية، فنحن نخبة من الرجال والنساء يستخدمون المنظمات الدولية لخلق أوضاع تخضع الأمم الأخرى لاحتكار «الكوربوقراطية» التي تدير شركاتنا الكبيرة وحكوماتنا وبنوكنا.

ومثل نظرائنا من رجال المافيا، نؤدي نحن قراصنة الاقتصاد بعض الخدمات، مثل منح قروض لتنمية البنية التحتية، وبناء محطات لتوليد الكهرباء، ومد الطرق الرئيسية، وإنشاء موانئ ومطارات ومناطق صناعية، هذه القروض مشروطة بأن تتولى إدارة هذه المشروعات شركات إنشائية وهندسية من بلادنا.

جوهر الأمر ألا يخرج القدر الأكبر من أموال القروض من الولايات المتحدة، بل تنتقل من مكاتب البنوك في واشنطن إلى مكاتب الشركات الهندسية في نيويورك، أو هيوستن، أو سان فرانسيسكو.

ورغم أن المال يعود مباشرة تقريبًا إلى مانحي القروض، وهم أعضاء منظمة الكوربوقراطية، فإن البلد التي حصلت على هذه القروض عليها أن تردها مضافًا إليها قيمة الفائدة، ويحقق قرصان الاقتصاد أكبر نجاح عندما تكون القروض كبيرة جدًّا لدرجة تضمن عجز الدولة المستدينة عن سداد ما عليها من ديون في ظرف سنوات قليلة، عندها نسلك سلوك المافيا ونطلب رطلًا من اللحم مقابل الدين».

هذه العبارات شديدة الخطورة من جون بيركنز لو قورنت بممارسات السلطة في الواقع الاقتصادي المصري الحالي سنجد شبه تطابق يستحق على الأقل من أي مواطن، يتساوى هنا لو كان خبيرًا أو غير خبير في الاقتصاد، أن يتحسس مسدسه ويبدأ في طرح الأسئلة.

فمصر أكثر البلاد اقتراضًا في المنطقة وفقًا لتقرير البنك الدولي الأخير، ووفقًا لتقرير البنك المركزي زاد حجم ديون مصر الداخلية والخارجية ازديادًا ضخمًا جدًّا في نهاية 2019، إذ بلغ إجمالي الدين العام المحلي 4 تريليون جنيه (241.9 مليار دولار) في نهاية ديسمبر (كانون الأول)، وبلغ الدين الخارجي للبلاد  96.612 مليار دولار في نهاية ديسمبر من العام نفسه.

وفي التقرير نفسه، يظهر أن البنك الدولى يتصدر المؤسسات الدولية المقرضة، يليه صندوق النقد الدولي، ثم البنك الأفريقي للتنمية، ثم بنك الاستثمار الأوروبي، ثم الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ثم المؤسسة الدولية للتنمية، ثم البنك الإسلامي للتنمية، ثم صندوق النقد العربي، ثم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وكلها واجهات لمؤسسات دولية ومالية كبرى.

وكل هذا أدى، وفقًا لتقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى تدهور معظم مؤشرات استدامة الدَّين، مثل نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي والصادرات والاحتياطيات الدولية. كما زاد عبء السداد السنوي إلى أضعاف ما يُنفق على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة؛ فالدين الخارجي صار يساوى أربعة أمثال الصادرات المصرية ويساوي ضعفين ونصف من الاحتياطي من العملات الأجنبية، ولبيان مدى فداحة ما يحدث بشكل مبسط: فإن كل مولود في 2019 مدين للخارج بـ1000 دولار.

وهذا هو كلام بيركنز نفسه حول إغراق الدولة في الديون، أما لو نظرنا إلى أوجه إنفاق هذه القروض الضخمة، سنجد أن أوجه الإنفاق لم تكن في بناء المصانع أو المستشفيات أو المنشآت التعليمية، وغيرها من السبل التي تسعي إلى تحقيق شكل من الاكتفاء الذاتي أو التوسع في دور الدولة على المستوى الخدمي والصناعي، وخلق فرص العمل، ولكنها تنفيذ حرفي للخطة نفسها التي تكلم عنها جون بيركنز في كتابه.

وفقًا للبيانات الرسمية، جرى تنفيذ ما يقرب من 400 مشروع بقطاع الطرق والكباري لاستيعاب حجم حركة النقل المتزايدة، والمساهمة في نقل حوالي 450 مليون طن سنويًّا من البضائع، في الوقت الذي تجري فيه تصفية الشركات الكبرى مثل الحديد والصلب والغزل والنسيج وغيرها، وتسريح العاملين بها، وما زلنا على قمة قائمة قتلى ومصابي حوادث الطرق عالميًّا، فمثلًا في حي مصر الجديدة، رغم الكباري الضخمة التي أنشأتها الدولة هناك، لم تهتم الدولة بعمل الكباري أو الأنفاق لعبور المشاة، وطالبت المجتمع المدني بعملها، مما أدى إلى وفاة الكثيرين في حوادث الطرق هناك. هذا وغيره الكثير من المؤشرات الواضحة على انحيازات هذه الدولة، فما يهمها هو ضمان السيولة المرورية للسيارات والناقلات الضخمة، وليس سلامة البشر.

وفي مرفق السكك الحديدية جرى تجديد 500 كم سكك حديدية، وتطوير وصيانة 100 محطة، بالتوازي مع كلام السيسي عن ضرورة مشاركة القطاع الخاص في قطاع النقل، وما زلنا نسمع يوميًّا عن الوفيات في حوادث القطارات، بل إلقاء الناس منها لعدم دفعهم لثمن التذكرة.

وفي قطاع الموانئ، جرى تطوير موانئ الغردقة وسفاجا ونويبع، كما أُنشئت أرصفة جديدة بميناء دمياط، وأنشئت محطة انتظار خارجية بميناء الغردقة، وحفر تفريغ قناة السويس الجديدة، ومشروع محور قناة السويس، وغيرها من المشروعات، في الوقت نفسه الذي تُمنح فيه عقود انتفاع مفتوحة أو واسعة الآجال لمستثمرين عرب وأجانب بهذه الموانئ. فمثلًا، تسيطر شركة موانئ دبي على ميناء العين السخنة، الذي يُعدّ من أكبر وأهم الموانئ على البحر الأحمر، كما توجد شراكة وصفقة جديدة بين قناة السويس وشركة موانئ دبي الإماراتية، تحصل بموجبها القناة على 51% منها وموانئ دبي على 49% وغيرها الكثير.

كما أن الإعلان عن البدء في إنشاء محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء كان بتمويل وشراكة روسيتين.

فعن أي بضائع وأي ركاب وأي تنمية تتكلم الدولة التي تسحب يدها من كل القطاعات الخدمية وتصفي الشركات الصناعية التابعة لها بأبخس الأثمان؟ إلا لو كان المقصود توفير شبكة رخيصة لنقل بضائع الشركات الاستثمارية الكبرى والعمالة الرخيصة العاملة بها، عن أي تنمية وتشجيع استثمار، إلا لو كان هذا الاستثمار يصب في صالح تحالف خفي لشركات أجنبية مع جنرالات ورجال الدولة؟

أليس من المضحك المبكي أن تنفق هذه القروض، التي سوف يسددها وفوائدها المواطن وأبناؤه، لتهيئة المناخ لمن يمنح القروض ثم يستردها مع الفوائد؟ أي إن من يستثمر في الديون والفوائد يستثمر ويستفيد ثانية من أوجه إنفاق هذه الديون.

وطالما أن كل هذا الإنفاق يجري تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وغيرها من الهيئات التابعة أيضًا للقوات للمسلحة (لا تخضع موازنة كل هذه الهيئات لأي رقابة) ألا يعني هذا إعادة تشكيل النخبة الحاكمة لتضم ائتلافًا من البيروقراطيين الحكوميين، وجنرالات الجيش، وبعض رجال الأعمال المحليين مع ممثلي هذه الشركات الكبرى؟

ولو كان كل هذا يجري بالتوازي مع انسحاب الدولة العنيف والسريع من كل المجالات الخدمية، ورفع الدعم عن الطاقة، وخصخصة أو تصفية القطاع العام، وفتح الباب لمشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية ككل، ألا يطرح هذا الأسئلة حول جدوى الاقتراض من أساسه؟ إلا لو كان كل جدواه خلق طبقة محلية مستفيدة ومتحالفة مع رأس المال العالمي على حساب عموم الشعب المصري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد