مقدمة

ستعمل جائحة كورونا على تقويض المساعدات الإنسانية للاجئين بسبب الأزمة الاقتصادية التي سوف تعاني منها معظم الدول المانحة. غير أنّ هذه المحنة قد تخلق فُرَص أفضل للجهات المانحة والمنظمات الإنسانية بتعجيل السياسات الإصلاحية الخاصة بمساعدة اللاجئين في الاعتماد على أنفسهم، وبالتالي المساهمة الإيجابية في اقتصادات الدول المضيفة. بمناسبة اليوم العالمي للاجئين والذي يصادف 20 يونيو (حزيران) 2020، سنقدم بعض التوصيات السياسات المبنية على الأدلة العلمية في هذا الخصوص.

1) الحاجة إلى إستراتيجية مبنية على امكانات السوق المحلي

«البناء على ما هو موجود» هو أحد المبادئ الأساسية للفاعلين في التنمية. يجب أن تستند السياسات التي تهدف إلى تعزيز سبل العيش المستدامة للاجئين على فهم سليم وشامل للأسواق القائمة وقطاعات الأعمال الخاصة التي يكسب اللاجئون من خلالها رزقهم. بناءً على تقدير الوضع الاقتصادي للاجئين وامكاناتهم، يجب أن تهدف المبادرات إما إلى تحسين الأسواق الحالية، أو تمكين اللاجئين من الانخراط بشكل أكثر فاعلية في تلك الأسواق.

لنأخذ الأردن نموذجًا. على بعد 15 دقيقة فقط بالسيارة من مخيم الزعتري الخاص باللاجئين السوريين، هناك منطقة اقتصادية خاصة Special Economic Zone يطلق عليها منطقة الملك حسين بن طلال التنموية. هذه المنطقة تختلف فيها قوانين الأعمال والتجارة عن بقية البلاد، من أجل جذب التجارة والاستثمار وخلق فرص العمل. استثمرت الحكومة 100 مليون جنيه استرليني لربطها بشبكة الطرق الوطنية والاقتصادية. ومع ذلك نرى وجود عدد قليل من المصانع. حتى تعمل هذه المنطقة بأقصى طاقتها الانتاجية تحتاج إلى شيئين رئيسين: العمال والاستثمار التجاري.

بالنسبة لدولة مثل الأردن، يمكن القول إن اللاجئين السوريين يمثلون فرصة للانتقال إلى التصنيع التجاري. ذلك أن أغلب السوريين يتميزون بالمهارة والتعليم الجيد ومشاركتهم نفس الثقافة واللغة مع الأردنيين. بالإضافة إلى ذلك يعتبر الاعتراف الدولي بأزمة اللاجئين السوريين فرصة محتملة للحكومة الأردنية لطلب نقل عدد من الشركات متعددة الجنسيات multinationals corporations إلى الأردن، لأسباب ترتبط بالمسؤولية الاجتماعية للشركات من ناحية وبالمصالح التجارية الأساسية من ناحية أخرى. تقدم الأزمة أيضًا قاعدة يمكن للحكومة الأردنية البناء عليها للتواصل مع الحكومات الأخرى (في دول الخليج، أو أوروبا، أو أمريكا الشمالية) للحصول على امتيازات تجارية (كتخفيض الضرائب مثلًا) تعمل على تحسين وصول الصادرات الأردنية إلى الأسواق العالمية بشكل أفضل.

نتيجة لذلك نرى أنه إذا سمح للاجئين بالعمل جنبًا إلى جنب مع الأردنيين في المنطقة الاقتصادية، قد يوفر هذا طريقة لاستفادة اللاجئين والمساهمة في إستراتيجية الأردن للتنمية الوطنية في آن واحد مع احتضان الانتعاش الاقتصادي بعد الصراع في سوريا.

2) مساعدة اللاجئين على مساعدة أنفسهم

إنّ اللاجئين والنازحين ليسوا مجرد ضحايا للحرب. لديهم من المهارات والمواهب والطموح ما يمكنهم من الاعتماد على أنفسهم إذا ما تلقوا الدعم المناسب. لذلك، بدلًا عن افتراض أنهم بحاجة إلى الرعاية والدعم لأجل غير مسمى، ينبغي أن نعزز المبادرات التي تساهم في تعزيز قدراتهم. يتضمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر برامج محسنة للتعليم، وتنمية المهارات، وسهولة الوصول إلى القروض الصغيرة والأسواق المالية، وحضانة الأعمال، وتحسين الوصول إلى الإنترنت.

3) إعادة النظر في دور القطاع الخاص

مع احتدام المناقشات السياسية حول اللاجئين، يُفترض في كثير من الأحيان أن يكون القطاع الخاص مرادفًا للشركات متعددة الجنسيات أو المنظمات الكبيرة التي تحركها المسؤولية الاجتماعية. إلا أن دور القطاع الخاص مختلف كثيرا على أرض الواقع حيث إنه متواجد على عدة أصعدة عالمية ووطنية ومحلية. يمتلك القطاع الخاص مجموعة من أنماط المشاركة والدوافع للعمل مع اللاجئين، بما في ذلك المصالح التجارية الأساسية والأعمال الخيرية والمسؤولية الاجتماعية للشركات. يمكن اعتبار اللاجئين والنازحين أنفسهم جزءًا من هذا القطاع الخاص حيث أنهم يقومون بدور المنتجين، والمستهلكين، والموظفين، والمستفيدين، والمقرضين، والمقترضين، وأصحاب المشاريع الخيرية.

4) الابتكار والتكنولوجيا في مساعدة اللاجئين

تشير الأبحاث إلى أن اللاجئين والنازحين أنفسهم يبتكرون ويستخدمون التكنولوجيا في حياتهم اليومية. قد يوفر تسهيل هذا الشكل من الابتكار تعزيز قدرة اللاجئين على تطوير فرص تجارية مستدامة. في أبسط صوره، قد يتضمن هذا تحسين وصول اللاجئين إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بالإضافة إلى الطرق غير التقليدية، مثل حاضنات الأعمال والتدريب عبر الانترنت.

5) التغلب على الانقسام الحاصل بين الجهات الفاعلة

تتطلب مساعدة اللاجئين والسكان النازحين مشاركة كل من الجهات الفاعلة الإنسانية والإنمائية. في كل مرحلة من مراحل الاستجابة كحالات الطوارئ أو الحالات التي طال أمدها أو في سياق العودة للوطن، من المرجح أن يحتاج النازحون إلى مجموعة من الحقوق والحريات التي تمكنهم من النمو والازدهار. هذا يتطلب من الجهات الفاعلة الإنسانية والإنمائية العمل معًا على المستويين الدولي والوطني.

6) الحاجة إلى الأبحاث المقارنة

من المستغرب أننا نعرف القليل عن الحياة الاقتصادية للسكان النازحين. هناك حاجة لتطوير أجندة بحث مستمرة ومنهجية في هذا المجال. على وجه الخصوص، هناك حاجة لدراسة حالات المقارنة.

أ) في بيئات تنظيمية واقتصادية مختلفة (مقيدة مقابل مفتوحة).

ب) في مراحل مختلفة من أزمة النزوح (مثل الطوارئ، والممتدة، والعودة للوطن).

ج) لفئات مختلفة من النزوح (مثل اللاجئين، والنازحين داخليًا، والنازحين في سياق كارثة طبيعية).

7) أهمية النهج التشاركي

مشاركة «الناس المتأثرين» بمثل هذه الأزمات هو طموح لم يتحقق بعد في البحث والممارسة. من دون معرفة التفاصيل للسكان المحليين والنازحين على حد سواء، سيكون من المستحيل عمليًا رسم صورة شاملة لاقتصادات اللاجئين. لذلك، من أهم الأولويات، أن يكون هناك مشاركة مع المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ مثل هذه الأبحاث. تطبيق مثل هذه الأفكار بشكل فعال سيؤدي حتمًا إلى الحصول على بيانات أفضل، ويترك إرثًا إيجابيًا للتدريب وتطوير المهارات البحثية.

8) تحليل سياسي أفضل للدول المضيفة

عادة ما تعمل الأسواق في سياق سياسات الدول. ستحد السياسات المقيدة من قدرة اللاجئين على التعامل مع الأسواق التي تؤدي إلى فرص مستدامة. عندما يُمنح اللاجئون الحق في العمل وحرية التنقل، سيكونون قادرين على المساهمة في الاقتصاد الوطني للدول المضيفة. لذلك فمن المهم الأخذ بعين الاعتبار أن القرارات السياسية للحكومات هي نتيجة للحركات الوطنية الفاعلة. من أجل تعزيز الفرص القائمة على السوق المفتوح للسكان النازحين، من المهم فهم السياق السياسي والمنظومة المحفزة للحركات السياسية للتعامل معها بشكل أفضل؛ مما يؤدي إلى وضع سياسات أفضل خاصة باللاجئين.

الخاتمة

حماية اللاجئين ليست مثل الهجرة. الغرض منه هو تزويد الناس النازحين بمجموعة كاملة من الحقوق حتى يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، أو الاندماج في مجتمع آخر. يمكن تحقيق ذلك بإيجاد طرق إبداعية تعزز التنمية البشرية وتفيد اقتصادات البلدان المضيفة في آن واحد من خلال دعم إستراتيجياتها الإنمائية، لا سيما في المناطق الحدودية المتخلفة. لكن إمكانات هذا النهج الجديد تتجاوز حد اللجوء. يمكن جعلها أيضًا تخدم هدفًا آخر وهو المساعدة في إعادة الاستقرار إلى دول مثل سوريا بمجرد انتهاء الصراعات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد